Accessibility links

وجدي الأهدل*

في أيام الجامعة التقيت بكاتب من جيل الثمانينيات، فسألني هل أقرأ مجلة كذا؟ فقلت له لا، فقال لي إذن أنت لست مثقفًا! شعرتُ بالخجل لأنني لم أقرأ تلك المجلة، فذهبتُ إلى المكتبة واشتريت نسخة من تلك المجلة، وقرأتها من الغلاف إلى الغلاف، وكان في ذلك العدد مادة منشورة له. فلما التقينا مرة أخرى تأملت أن يسألني عن تلك المجلة، لكنه خيب توقعاتي وسألني هل أقرأ صحيفة كذا؟ فأجبته بلا، فقال لي إذن أنت لست مثقفًا! شعرت بالخزي لأنني لم أقرأ تلك الصحيفة، فهرعتُ إلى الكشك واشتريت نسخة من تلك الصحيفة، وقرأتها على نفس واحد، واكتشفت أن فيها مادة منشورة أيضًا لذلك الكاتب.. وهكذا ظننت لحماقتي أن المثقف هو الذي يشتري المجلات والصحف التي ينشر فيها ذلك الكاتب، ومن لا يفعل فلا تجوز عليه سوى لعنة الجهل!

كاتب آخر كانت نرجسيته تسلك به مسلكًا مختلفًا، إذا كان يسألني هل قرأت الكتاب الفلاني؟ فكنت أقول له لا، فيرد عليّ وهو ينظر إليّ بازدراء من لم يقرأ هذا الكتاب فليس بمثقف. وهكذا دواليك في كل مرة جمعتني به المقاهي أو المحافل الثقافية، حتى ظننت أن المثقف هو الذي يقرأ تلك الكتب التي يقرؤها حضرته، وأيّ كتب أخرى سواها لا تساوي ريالًا واحدًا ولا تغني ولا تسمن من جوع، مهما كان عددها أو سما قدرها، فهي لن تشفع لي عند ذلك الكاتب ليشملني برحمته ويتصدق عليّ بلقب (مثقف).

المتدينون الغلاة لديهم موازينهم الخاصة لقياس الإيمان والكفر، ففي رأي المتدين المتشدد لن يدخل الجنة من مليار ونصف مسلم سوى ألف نفر كحدٍ أقصى، كلهم دون استثناء ينتمون إلى الدائرة الضيقة من جماعته الدينية.

هذا المتدين المتطرف يتوهم أن مفاتيح أبواب الجنة معلقة في سلسلة مفاتيح بحزامه، فيُدخل من يشاء الجنة، ويرسل الباقين إلى النار، متخذًا من نفسه حكمًا، وهو لا يعلم لشدة جهله أنه يجاوز حده وينازع الله جل جلاله في ملكه.

وعلى المنوال نفسه، لدينا في حقل الثقافة مثقفين غلاة، يحجرون واسعًا، ويحصرون الثقافة في حدود ضيقة جدًا.

قد يصل هوس نفي الثقافة عن الآخر إلى درجة التصريح بأنه لا يوجد في اليمن إلا اثنين أو ثلاثة من (المثقفين)، وهو يقصد بالاثنين أو الثلاثة من (المثقفين) نفسه وصاحبه، وما أضاف الثالث إلا من باب الاحتياط، أن يجتمع مع نفرٍ من أصحابه فيُخرج نفسه من الحرج بأن يوهمهم بأن لديه مقعدًا إضافيًا شاغرًا.

لاحظت على مرِّ السنوات أن من علامات مُدَّعي الثقافة أن ينكر أن يكون أحدًا من الناس مثقفًا باستثنائه هو وشلته، والأكثر غرورًا ينفي نهائيًا أن يكون في اليمن أيّ مثقفين!

غلاة المثقفين عندنا يشبهون المتدينين الغلاة: يمنحون لقب (المثقف) على من يشاؤون، وينزعونه عمّن يشاؤون، وفقًا لحالتهم المزاجية، فإذا صادف ان التقيت بواحد من هؤلاء في يوم دبور فليس أمامك سوى الصبر وتحمل الأحكام الفشفشية بروحٍ رياضية.

المثقفون الغلاة لديهم جهاز الكشف عن المثقف – على غرار جهاز الكشف عن الكذب – يحملونه في الجيوب الخلفية لبنطلوناتهم، يخرجونه من هناك باحتراس، ثم يضعونه على جبينك أو على كتاباتك، ويقيسون درجة ثقافتك، ثم بعد ذلك يقررون حالتك، ويحددون مصيرك.. نعوذ بالله من الفشل وسوء الخاتمة!

تعريف الثقافة (ويكيبيديا): “هي مجموع المعرفة المكتسبة بمرور الوقت”.

تعريف الثقافة في الموسوعة البريطانية: “نمط متكامل من السلوك البشري، يضم المعارف، واللغة، والأفكار، والمعتقدات، والفنون، والقوانين، والأخلاق، والعادات، والمؤسسات. وهي تمثل “كلاً معقداً” يكتسبه الإنسان كعضو في المجتمع، وتعتمد على قدرته في التعلم ونقل المعرفة إلى الأجيال اللاحقة”.

هكذا نفهم من تعريف الثقافة أن مصطلح (المثقف) يشمل جميع أفراد الأمة، بما في ذلك الفلاح مثلًا، الذي لديه خبرات في مواسم الزراعة ومواسم الأمطار وحرث الأرض والعناية بالأشجار، وكذلك القبيلي الذي لديه عادات وتقاليد تمثل ثقافة موروثة ضاربة في القدم.

المتثيقف الغِرّ لا يعلم حقًا من هم (المثقفون)، ولا يريد أن يفهم أصلًا، لأن غروره يُصَوِّر له أن لقب (المثقف) يمنحه امتيازًا فوق الناس العاديين، ويعطيه الحق في إطلاق الأحكام في جميع مجالات الحياة، وهذا الوهم هو الذي يجعل من هؤلاء المتثيقفين شرًا مستطيرًا، خصوصًا إذا لقي الهراء الذي يهرفون به تصفيقًا من أمثالهم في وسائل التواصل الاجتماعي.

يُقسِّم المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي المثقفين إلى نوعين: المثقف العضوي والمثقف التقليدي. والمثقف العضوي هو الذي تفرزه طبقته الاجتماعية للدفاع عن مصالحها، والمثقف التقليدي هم أرباب المهن. ويبدو أن هناك صنفًا ثالثًا من المثقفين لم يشملهم التقسيم، فهم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ويبدو أن غرامشي لم يصادف هذا النوع الثالث من (المثقفين) في عصره، أو لقيهم ولم يأبه لهم، ولم يكلف خاطره عناء كتابة مقالة تشرح أحوالهم.. والحق أنهم يستحقون أن يُسقطهم المرء من حسابه.

لدينا مثل شعبي يقول “عبده فشفشي يفهم في كل شي”، وهذا المثل ينطبق من كل وجه على المثقف الذي يمنح صكوك الثقافة وفق هواه، وهكذا نكتشف أن لدينا في اليمن صيغة ثالثة من المثقفين: المثقف الفشفشي. ومع الأسف قد تفشَّا هذا الصنف الأخير في وسائل التواصل الاجتماعي، وصاروا وفقًا لقواعد اللعبة الجديدة الأكثر بروزًا وجمهورًا وتنمرًا في وقتنا الحاضر.

* روائي وكاتب يمني

تعليقات