وجدي الأهدل*
ثمة مرض شائع يضرب الكُتَّاب دون سواهم من الناس: قفلة الكتابة (Writers Block).
تاريخيًا أول من رصد هذه الظاهرة هو المحلل النفسي إدموند برنجلر عام 1947.
المبدعون بلا استثناء يُصابون من حين لآخر بقفلة الكتابة، وكأن الإلهام قد فارقهم إلى الأبد، فيضطربون ويقلقون، والبعض قد يلجأ لوسائل ضارة بالصحة يستحث بها فتح بوابة الخيال المؤصدة، ومنهم من ينتحر ليرتاح من الشعور بالعجز، فلا أحد ممن حول المبدع يدرك حجم عذاباته حين يكف عقله فجأة عن الإبداع، وكأن آلة التخيل قد تعطلتْ، ولم تنجح جميع محاولات إصلاحها لتعود للعمل.
إن ما أتحدث عنه عَرَض معروف لكل المبدعين، فلا أحد منهم في منجاة منه، فقد عانى نجيب محفوظ -وهو الكاتب النشط المنضبط- من قفلة الكتابة سبع سنوات، وذاق إرنست همنغواي الطعم المر لقفلة الكتابة وهو الروائي الجبار فلم يتحمل وأقدم على الانتحار.
هل يوجد علاج-وصفة لمرض قفلة الكتابة؟ ثمة دواء أثمر عند البعض، فاستغرق الشفاء من هذه الحالة المرضية أسبوعًا واحدًا.. والبعض قد تطول معاناته ولا يطول الثمرة.
لكن قبل القفز فورًا إلى استخدام الدواء، علينا أن نحلل أسباب الإصابة بمرض قفلة الكتابة، ونفهم لماذا أُصبنا بها دون سائر المبدعين من حولنا، ولماذا مرضنا بها في هذا التوقيت بالذات.
لعل من أسباب إصابة المبدع بقفلة الكتابة هو انهماكه في بناء مشاريع كتابية شبه جاهزة في ذهنه، أو لعله قد قطع مراحل لا بأس بها في كتابتها، ولم يبق سوى القليل لتشطيبها وتسليمها للناشر، أحيانًا بضع صفحات من عمل روائي، ثم تأتي هذه العاهة لتوقفه، وكأن مالك المنشأة قد أفلس، فتفرق العمال وتوقف العمل.
هي مصيبة تستحق النواح، عندما تنصرم سنوات من عمر المبدع في تأليف عمل إبداعي معين، ثم فجأة لا يعود قادرًا على إتمامه.
وأحيانًا يكون لدى المبدع عدة أعمال إبداعية قطع في كتابتها أشواطًا متفاوتة، وهذا حال أكثرنا، فإذا به أنَّى توجه يرتطم رأسه بجدار صلب، ويكتشف أن جميع الطرق مسدودة في وجه قلمه.
إن كانت (القفلة) صادقة، وليست نتيجة كسل وقتي، أو فتور عادي في الهمة، فإن معناها خطير جدًا:
جميع المشاريع التي تعمل عليها أيها المبدع قد ماتت، عظم الله أجرك فيها، عليك أن تدفنها قبل أن تفوح روائح هذه الجثث وتُزكم الأنوف!
إذن يبدأ طريق الشفاء من قفلة الكتابة بتمزيق كل ما كتبناه ورميه في سلة المهملات. يجب التخلي عن كل المشاريع الكتابية التي أنفقنا سنوات في تأسيسها وتشييدها والاشتغال عليها.. لأن (القفلة) حصلت بسببها.
هذا هو معنى قفلة الكتابة: أنت تسير في طريق خاطئ، وعليك تصحيح مسارك الإبداعي.
على سبيل المثال، كان لدى نجيب محفوظ مشروع كتابة تاريخ مصر روائيًا، ومضى بعزم في هذا المشروع، فكتب ثلاث روايات تاريخية “عبث الأقدار، رادوبيس، كفاح طيبة”.
نحن اليوم نلاحظ أنها أقل رواياته حظًا من القراءة، والأدنى فنيًا، ولو أنه كرَّس عمره وموهبته لهذا المشروع الضخم -رغم نبل المقصد- لظل روائيًا في الظل، واسمًا هامشيًا غير مؤثر في تطور الأدب الروائي العربي.
نجيب محفوظ نفسه اكتشف محدودية مشروع الروايات التاريخية، فغيَّر مساره لحسن الحظ في وقت مبكر، واتجه إلى الرواية الواقعية، وكتب روايات جيدة أعلى فنيًا من مشروعه الإبداعي السابق، ومنها “القاهرة الجديدة، خان الخليلي، زقاق المدق، والثلاثية: بين القصرين، قصر الشوق، السكرية “، وهي الروايات التي جعلته ذائع الصيت لدى معاصريه، وسلطت عليه أضواء الشهرة، فالتفتت إليه السينما وتسابق النقاد لدرس أعماله.
لكن بعد هذا النجاح الذي ناله عن استحقاق أصيب بلعنة قفلة الكتابة، وتوقف بضع سنين عن الإنتاج الروائي.
وبما أنه مبدع حقيقي، فقد أدرك أن مشروع الروايات الواقعية قد مات أيضًا في نفسه، كما مات سابقًا مشروع الروايات التاريخية في مرحلة البدايات.
تخلص نجيب محفوظ من قفلة الكتابة عندما تجاوز مشاريعه الإبداعية القديمة، وانتقل إلى مرحلة كتابية جديدة بواسطة رواية “أولاد حارتنا” وهي مرحلة الرواية الرمزية، التي رفعته فورًا إلى أعلى ذروة من ذرى الفن.
إن مسار نجيب محفوظ الإبداعي هو مسار نموذجي:
بدأ أولًا بالرواية التاريخية، ثم انتقل إلى الرواية الواقعية، ثم وصل إلى قمة الاحترافية والتمكن من فنه حين كتب الرواية الرمزية-الفلسفية.
من هو المعلم-الناقد الذي أرشد نجيب محفوظ لتطوير فنه على هذا النحو المثير للإعجاب؟ الذي أرشده لم يكن بشرًا، ولكنه عقله الباطن الذي هدم في كل مرحلة مفصلية مشاريعه القديمة بقفلة الكتابة.
إن قفلة الكتابة عندما تأتي هي نعمة وليست نقمة، وهي تعني أن كل كتاباتك القديمة قد ماتت ولم تعد صالحة للحياة، وعليك أن تنطلق قطعًا في اتجاه أدبي جديد.
إذا لم تفهم هذه الرسالة (قفلة الكتابة) على هذا النحو، فسوف تظل تراوح في مكانك كمبدعٍ تعيس، يُكابد في كتابة كل حرف كسجين محكوم عليه بالأشغال الشاقة.
إن قفلة الكتابة هي مَطْهَر يتعذب فيه المبدع مؤقتًا، يفنى فيه المبدع القديم ويتألم، ثم يُبعث بعد ذلك المبدع الجديد.
والآن نأتي على ذكر دواء هذا المرض الذي يصيب المبدعين بالعقم الإبداعي:
خصص أسبوعًا لطرح أسئلة جوهرية على نفسك وأجب عنها، مع شرط أن تكتب بعفوية، وأن تنوي تمزيق ما كتبت لاحقًا، أيّ بعد انقضاء الأسبوع. هي أسئلة الهدف منها أن تعود إلى الينابيع الأولى:
ما هو أول نص إبداعي كتبته؟ كم كان عمرك عندما كتبته؟ هل تتذكره؟
هل تتذكر لماذا كتبت نصك الأول؟ هل ثمة قصة وراء كتابتك لأول نص؟ هل تتذكر ماذا كتبت في البدايات؟
اكتب دون تحرج أو تزويق عن حبك الأول.. وهل له علاقة باتجاهك إلى الكتابة؟
اكتب عن أول نص نشرته ومشاعرك حينها.
هل تتذكر كيف كان أسلوبك الأدبي في البدايات؟
تذكر من أول شخص أثنى على إبداعك.. لا أقصد النقاد، أقصد صديقًا عزيزًا أو أحد الوالدين، شخص ما شجعك على مواصلة مشوارك الإبداعي من دائرتك المقربة.
إن هذه التجربة تهدف إلى استعادة (الصوت) الأصيل لإبداعك، ذلك (الصوت) الذي فقدته بمرور الأيام والأعوام، وفي زحمة مشاريع إبداعية بعيدة بهذا القدر أو ذاك عن صوتك الخاص بك وحدك، ذلك الصوت النابع من داخلك الذي تسبب عقلك في إصابته بالخرس.
* روائي وكاتب يمني


تعليقات