Accessibility links

“ديربورن لم تصمد فحسب، بل علّمت”: كيف صدّ المجتمع الكراهية


ديربورن – “اليمني الأميركي”:

جاؤوا حاملين علمهم النازي.. صرخوا، حرضوا، تمنّوا حدوث فوضى، وغادروا المدينة والمجتمع سالمين إلى حد كبير.

لم تكتفِ ديربورن بتحمّل أحدث «احتجاج» معادٍ للمسلمين من قِبل محرّضي اليمين المتطرف، بل خرجت منه أقوى وأكثر وحدة.

ما أطلق عليه «المحتجون» الذين توافدوا على ديربورن اسم «حملة صليبية» لم يتحوّل إلى فوضى عارمة كانوا يسعون إليها.. بل على العكس، أظهرت المدينة والمجتمع وجههما الحقيقي بالسماح للمحتجين بممارسة حقّهم في حرية التعبير وتقديم حجج منطقية ضدّ الكراهية.

وقعت بعض المناوشات بين المحرّضين المعادين للمسلمين والمتظاهرين المناهضين لهم، لكن لم تُسجّل إصابات تُذكر، وسارع رجال الشرطة إلى التحرّك في الموقع.

ألقت شرطة ديربورن القبض على 22 شخصًا، بينما تجمّع مئات المتظاهرين أمام مكتبة هنري فورد المئوية، حيث كان مجلس المدينة يعقد اجتماعه الأسبوعي.

وقال قائد شرطة ديربورن، عيسى شاهين: “تعامل ضباطنا مع الموقف الصعب والمتغير بكفاءة عالية تليق بتوقعات هذا المجتمع، فحافظوا على سلامة الجميع، وحموا الحقوق الدستورية لمن جاؤوا للتعبير عن آرائهم، ومكّنوا مجلس المدينة من إتمام أعماله.. أنا فخور بهم للغاية”.

وأضاف: “نحن ممتنون جدًا لجهود شركائنا في إنفاذ القانون على المستويات الولائية والمحلية والفيدرالية.. لقد تحركوا جنبًا إلى جنب مع ضباطنا لاحتواء وضع أمني عام معقد للغاية”.

“قصة أميركا”

إذا كان هدف المحرضين، بقيادة الناشط اليميني المتطرف جيك لانغ، هو تشويه صورة ديربورن وتصويرها على أنها مدينة مخيفة، فقد حقق احتجاجهم عكس ذلك تمامًا.

جلب عرضهم التحريضي للكراهية تضامنًا ودعمًا للمدينة من جميع أنحاء ميشيغان، حيث دافعت الحاكمة غريتشن ويتمر والسيناتور إليسا سلوتكين والعديد من المسؤولين الآخرين في الولاية عن المدينة.

“في ديربورن، بنى الناس من مختلف الأديان والخلفيات بيتًا واحدًا.. إنها جزء لا يتجزأ من ميشيغان، تمامًا كأيّ مدينة أو بلدة أخرى”، هذا ما صرحت به عضوة الكونغرس، ديبي دينجل في بيان لها.

وأضافت: “أضم صوتي إلى ديربورن في التصدي للكراهية ضد المسلمين، ولمن يسعون إلى زرع الفتنة بيننا.. لا مكان للكراهية في ميشيغان”.

وأكد رئيس البلدية، عبدالله حمود، أن الاحتجاجات المعادية للإسلام في ديربورن لا تستهدف فقط سكان المدينة المسلمين.

وقال حمود: “عندما يصوّر البعض ديربورن وكأنها مدينة استولى عليها المسلمون، فإنهم لا يهاجمون مجتمعاتنا المسلمة والعربية فحسب”.

وأضاف: “إنهم يحاولون أيضًا طمس وجود إخواننا وأخواتنا المسيحيين الذين أسهموا إسهامًا كبيرًا في المدينة، وكذلك أتباع الديانات الأخرى والخلفيات المختلفة، أو حتى من لا يدينون بأي دين”.

وشدد على الطبيعة التعددية للمدينة، مستذكرًا السؤال الصعب الذي تلقاه من طفل حول ما إذا كان “الصليبيون” سيؤذونه.

قال رئيس البلدية إنه أراد أن يُطمئن الطفل بأنه ينتمي إلى هذا المكان كأيّ شخص آخر.

وأضاف حمود: “أجيالٌ من الذين بنوا هذه المدينة خير دليل على ذلك.. ديربورن بُنيت على أيدي أناسٍ بأسماءٍ ولهجاتٍ وتقاليدٍ مختلفة، وبطرقٍ مختلفةٍ في عبادة الله.. بعضهم يعود بجذوره إلى هنا منذ أجيال، وآخرون قدموا ومعهم حقيبة سفرٍ وأملٌ لا أكثر”.

وتابع: “عملوا في خطوط الإنتاج، وأسسوا مشاريع صغيرة، وعلّموا أبناءنا، وخدموا وطننا، وبنوا دُور العبادة، وشيّدوا بيوتًا بجوار أناسٍ لا يشبهونهم.. وفي خضمّ ذلك، تحوّل الغرباء إلى جيرانٍ يتشاركون الطعام عبر السياج.. هذه هي ديربورن، وهذه هي قصة أميركا”.

سياسة الكراهية

في عالمٍ خالٍ من العنصرية، لغدت ديربورن، مجتمعٌ مجتهدٌ تزدهر فيه المشاريع الصغيرة، ويغرس فيه الناس القيم الأسرية في أبنائهم، نموذجًا يحتفي به المحافظين.

مع اشتداد الحملات الانتخابية، تتصاعد حدة خطاب الكراهية، وتجد المدينة نفسها مجددًا هدفًا لهجمات اليمين المتطرف على الإنترنت.

من المرجح أن يؤدي ترشيح عبدالسيد، وهو مسلم لكنه ليس من ديربورن، على مستوى الولاية كمرشح للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ الأميركي، إلى مزيد من الكراهية ضد المجتمع لتحقيق مكاسب انتخابية.

لورنزو سيويل، وهو “قس” من ديترويت، انحاز إلى جانب المحرضين اليمينيين المتطرفين، ويشغل منصب قائد التحالف الديني في حملة مايك روجرز، منافس السيد الجمهوري.

قال كول ووزنياك، المتحدث باسم حملة السيد: “تستحق عائلات ميشيغان سيناتورًا يتصدى للكراهية بدلاً من التستر عليها”.

وأضاف: “يجب على مايك روجرز أن يتبرأ فورًا من هذا التجمع، ومن علاقته بجيك لانغ وإرهابيي السادس من يناير، وأن يوضح سبب تضامن مستشاره الديني مع محرضين من خارج الولاية ضد المجتمعات الدينية في ميشيغان”.

وبغض النظر عن السياسة، فقد ارتقت ديربورن إلى مستوى الحدث للتعامل مع آخر حادثة كراهية، محققةً توازنًا بين حماية حرية التعبير، والحفاظ على النظام العام، وإظهار الصورة الحقيقية للمجتمع.

قال شريف عقيل، محامي الحقوق المدنية، إنه بينما يقتضي “الالتزام” بالدستور احترام حرية التعبير، فقد راودته شكوك حول جدوى التفاعل مع المحرضين، بدلاً من التركيز على المجتمع.

لكن بعد الاستماع إلى متحدثين من المجتمع وهم يُوعّون المُثيرين للفتنة، غيّر رأيه.

وكتب عقيل في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: “ربما كان النقاش مُجديًا، ليس لأن الكراهية تستحق منبرًا، بل لأن الحقيقة حصلت على منبر أيضًا، وسمع المجتمع بصوت عالٍ، أنه مهما كان الاسم الذي نستخدمه، فإننا غالبًا ما ندعو الله نفسه للأمور نفسها”.

وأضاف: “لم تكتفِ ديربورن بالصمود هذا الأسبوع فحسب، بل علّمت”.

تعليقات