Accessibility links

رحَل الإنسان.. وبقيَ “المايسترو” و”الأسطورة”


عبدالله الصعفاني*

هناك خصوصية حرَّاقة لأحزاني الشخصية هذه المرة، ربما لأن بداياتي مع الصحافة والكتابة مطلع الثمانينيات تزامنت مع بدايات نجم هذه الوقفة الموجعة.

* أتحدث هنا عن نجم الكرة اليمنية إبراهيم الصباحي، لاعب شعب إب والمنتخبات الوطنية، الذي ترجَّل عن جواده ومات، تاركًا في عيون محبيه دمعة، وفي الحلوق غصة، وفي القلوب أنياطًا ممزقة.

* كنت، وما زلتُ أرى في إبراهيم الصباحي جزءًا من الذاكرة الطويلة لجيلٍ مهما خانته الذاكرة لن ينسى أن  إبراهيم الصباحي كان نجمًا كبيرًا، ولم يكن جملة عابرة في تاريخ كرة القدم اليمنية عامة، وكرة القدم في اللواء الأخضر على وجه الخصوص.

* حفلت رحلته الرياضية بالأحداث والمواقف الرياضية والإنسانية النبيلة، لأنه كان مثالًا في النجومية والأخلاق، ولذلك لا غرابة إن اختزل زرياب الكرة اليمنية الدكتور إيهاب النزيلي منشور الرثاء  لزميله إبراهيم بسطر قال فيه “اليمن كلها تبكيك يا نجمها الأوحد”، لكن النزيلي إيهاب عاد بعد أن حاول امتصاص الصدمة ليحكي عن رحلة إبراهيم.. حجم معاناته مع المرض، وهموم الدواء والغذاء والإيجار، وما إلى ذلك من معاناة حتى وقع مصاب الرحيل الحزين.

* ولا يمكن إغفال تأثير ما سبق على النجم الخجول، الأنيق، الإنسان إبراهيم الصباحي.. والمعذرة لو خضتُ بالقارئ بين الحين والآخر في الهموم، لكن يبقى للموت وقعه على قلوب المحبين، وخاصة عندما تبقى مسيرتهم عالقة في ذاكرة الزمان والمكان، والاشتياق.

* وكما هو حال البدايات ما زلتُ أتذكر اللحظة الأولى التي لفتت نظري إلى بطل هذه الوقفة – رحمة الله عليه.

إنها لحظة كنتُ أتساءل في مباراة ملتهبة بين أهلي صنعاء وشعب إب.. كيف للاعبٍ أن يهز شباك حارس أهلي صنعاء  السوداني السر بدوي، الذي كان طويلًا ويتحرك على خط مرماه ومناطق الخطر كأخطبوط تغلق أياديه كل النقاط إلى شباك الأهلي.

* وفي لحظة التفكير تلك كان نجم وسط شعب إب يرسل كرة بعيدة المدى هز بها شباك أهلي صنعاء، وألهب بها حناجر جماهير العنيد التي كانت شديدة الخصوصية التشجيعية قبل أن نتذوق طعم التشجيع على طريقة جمهور نادي التلال وبقية الأندية الجنوبية التي تضيف اللافت من البهارات التشجيعية.

* والحديث عن إبراهيم الصباحي هو حديث عن استحقاقه لقب المايسترو ومهندس خط الوسط.. ولم يكن كذلك إلا لأنه بعد امتلاك الموهبة وضع شعب إب في موضع خاص في قلبه، وكان لسان حاله:

قد يحترم الناس موهبتك ولا يحبوك، لكن الناس احترموا نجوميته وأحبوه، كيف وهو الذي لم يدخل في صدامات، وإنما أكد حب الولاء ومعنى الانتماء.. وكان بحق من أكثر اللاعبين إخلاصًا لناديه.

* إبراهيم الصباحي بطاقة تعريف لشعب إب والمنتخبات الوطنية التي لعب فيها ومثّل اليمن خير تمثيل ليورث لمحبيه حزنًا ثقيلاً، ودموعًا حراقة.. وكبير الأسف على ناديه الذي غاب عن إداراته اسم نجمٍ محبٍ قادرٍ على العطاء، لكن جرى تغييبه من الذين تسببوا في الانحدار فغابوا عن أيّ موقف يصنع الفارق في القيادة والإدارة الرياضية لشعب إب، وعنيدها الأخضر.

* رحيل النجم إبراهيم الصباحي سيترك فراغًا وجدانيًا عند محبين لن ينسوا نجمهم الذي بدأ مع الشعب من العام 1982 واستمر مع الكتيبة الذهبية للشعب حتى العام 1996، وكان من إنجازاته مساهماته في كسر احتكار أندية العاصمة صنعاء في منافسات الثمانينيات وتجليات حضوره ضمن منتخب الشباب والمنتخب الوطني الأول، وتمثله حتى اعتزاله في 20 مايو 2000 قيم الانضباط والأخلاق والروح الرياضية.

* وأما بعد القول: رحَل الإنسان.. وبقيَ أثر “المايسترو” و”الأسطورة”، لم يبق لنا غير طلب الرحمة للراحل النبيل.. وليس لنا من الأمر سوى الدعاء لِله جلّ في علاه بأن يكرمه بالجنة ويعوضه عن مواقف التجاهل والخذلان، ويكتب لكافة أهله ومحبيه أجر الصبر والاحتساب.

* ودائمًا “كلّ من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام”

إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

* كاتب يمني

تعليقات