بقلم/ عادل العدلاني *
تأتي لحظةٌ في كل دورةٍ انتخابيةٍ يثقل فيها الجو بشيءٍ آخر غير النقاش؛ ليس بالضرورة ذلك الصدام بين الأفكار الذي يملأ الأرجاء، بل بهمسات الريبة والتحذيرات المكتومة بشأن “الآخر” – ذلك الدخيل أو الغريب الذي لا ينتمي إلى النسيج ذاته. إنها اللحظة التي تتعثر فيها الديمقراطية، لا في مؤسساتها بل في نفوس الناس؛ إذ يُدفعون للنظر شزراً إلى بعضهم البعض، بدلاً من توجيه أنظارهم نحو أولئك الذين يملكون السلطة الحقيقية.
عندما وقف أبراهام لينكولن أمام مؤتمر الحزب الجمهوري في ولاية إلينوي عام 1858، أعلن بوضوحٍ تنبؤي أن “البيت المنقسم على نفسه لا يمكن أن يصمد”. ورغم أن قضيته الأساسية كانت العبودية، إلا أن المبدأ يتجاوز تلك المسألة المحددة؛ فقد أدرك لينكولن أن على المجتمع السياسي الاختيار بين جمهوريةٍ تقوم على المساواة، أو نظام حكمٍ للأقلية (أوليغارشية) يرتكز على التراتبية والخضوع. وحين يستخدم السياسيون العرق أو الدين كسلاح، فإنهم يتخذون هذا الخيار نيابةً عنا، وغالباً ما يتم ذلك خلسةً. إنها استراتيجيةٌ قديمةٌ بقدر ما هي فعالة؛ فمن خلال خلق سردية تقوم على ثنائية “نحن” في مواجهة “هم”، يصرف أصحاب السلطة الانتباه عن انتقال الثروة إلى الأعلى وتآكل آليات المساءلة الديمقراطية. ويُعد الانقسام إحدى أكثر الأدوات موثوقيةً في يد أصحاب النفوذ؛ فعندما يُشجَّع المواطنون على النظر إلى جيرانهم باعتبارهم تهديداً، فإنهم يغفلون عن القرارات الحقيقية التي تشكّل حياتهم. وتعتمد النخب المسيطرة (الأوليغارشية) على سياسات الهوية التي تُقسّم الناس إلى مجموعات، مما يبرر هيمنتها ويضمن استمرار النظام القائم.
ومع ذلك، لطالما تعددت مداخل البيت الذي نتشارك فيه جميعاً. فتاريخ هذه الأمة هو قصة أناس توافدوا من كل حدب وصوب، وشق كل منهم طريقه الخاص للدخول؛ فمنهم من دخل عبر البوابة الأمامية المهيبة، ومنهم من وجد أبواباً أصغر أو جانبية، أو حتى أبواباً بدت بالكاد مفتوحة. ورغم ذلك، ظل البيت واحداً، وامتد وعد الانتماء ليشمل كل من سعى إليه.
ويقدم المشهد المعاصر أمثلة حية على ذلك؛ لننظر مثلاً في مسيرة باربرا جوردن، أول امرأة سوداء من الجنوب تشغل مقعداً في الكونغرس. فعندما سعت للفوز بمقعد في مجلس شيوخ ولاية تكساس عام 1966، اعتبر الكثيرون ترشح امرأة سوداء أمراً غير مقبول. لكن باربرا جوردن مضت قدماً، وفازت بأول مقعد تشغله امرأة سوداء في ذلك المجلس. وقد تركت بصمتها في تاريخ الأمة إبان أزمة “ووترغيت”، حين دعت ببلاغة إلى عزل الرئيس نيكسون. وفي كلمتها الرئيسية أمام المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي عام 1976، طرحت تساؤلاً جوهرياً: “هل سنكون شعباً واحداً توحده روح مشتركة ويجمعه سعيٌ موحد، أم سنصبح أمة منقسمة؟”. لقد صاغت جوردن تشريعات انطلاقاً مما أسمته “الصالح العام”، مبرهنةً على قدرة النساء السود على قيادة البلاد في الأوقات العصيبة؛ فقد وجدت بابها الخاص وعبرت منه، لتثبت أن هذا البيت كان يتسع لها ولطموحها.
تؤكد الأبحاث النمط الذي واجهته باربرا جوردن؛ فقد خلصت دراسة حللت أكثر من 23 مليون منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن السياسيات يتعرضن لهجمات قائمة على الهوية بمعدلات تفوق بكثير ما يواجهه نظراؤهن من الرجال، إذ تُوجَّه إليهن تهديدات بالعنف وعبارات تركز على الجوانب الأخلاقية بوتيرة أعلى بكثير. كما كشفت دراسة شاملة أجراها “مركز المرأة الأمريكية والسياسة” أن المرشحات من ذوات البشرة السوداء يواجهن هجمات قائمة على الهوية تفوق بكثير ما تواجهه نظيراتهن من البيض؛ حيث أفادت 67% من المرشحات السود بأنه تم استغلال عرقهن أو جنسهن ضدهن خلال الحملات الانتخابية، مقارنة بـ 23% فقط من المرشحين البيض. وعلاوة على ذلك، أظهر تحليل أجراه “معهد بروكينغز” عام 2023 أن المرشحين من غير البيض يتلقون تغطية إعلامية سلبية -تتعلق بقضايا الهوية- تزيد بنسبة 40% تقريباً عما يتلقاه المرشحون البيض ممن يتمتعون بمؤهلات مماثلة. وتكشف هذه البيانات عن واقعٍ ممنهج، لكنها تبرز في الوقت ذاته صمود أولئك اللواتي يرفضن السماح للنيل من مكانتهن أو الانتقاص من قدرهن.
لننظر في حالة كيث إليسون، أول مسلم يُنتخب لعضوية الكونغرس؛ فقد واجه إليسون -وهو محامٍ ومشرّع سابق في ولاية مينيسوتا- حملةً ممنهجةً للنيل من شرعيته استناداً إلى معتقده الديني. إذ اتُّهِم بأنه “مسلم متخفٍ” – وكأن هويته الدينية جريمة – وبوجود صلات تربطه بحركة “أمة الإسلام”، وذلك رغم تبرئه العلني من الشخصيات الأكثر إثارة للجدل في تلك الحركة. لقد استهدفت الهجمات هويته، في استراتيجيةٍ رمت إلى تصويره بمظهر “غير الأمريكي”؛ ومع ذلك، صمد إليسون بوقارٍ وهدوء، مبرهناً على أن القيادة الأمريكية تُعرَّف من خلال سمات الشخصية والالتزام بالصالح العام، لا من خلال الموروث الديني. لقد كان وجوده في الكونغرس تجسيداً حياً للوعد الأمريكي، وتأكيداً على أن الانتماء يُحدَّد بمقدار التفاني في خدمة رفاه الجميع؛ فقد وجد بابه الخاص وعبره، ليثبت أن هذا البيت يتسع له وللجميع.
تتبع الانقسامات الدينية نمطاً مشابهاً؛ فوفقاً لتقرير صادر عن “مركز دراسة الكراهية المنظمة”، نشر 46 مسؤولاً منتخباً -في الفترة ما بين فبراير 2025 ومارس 2026- أكثر من 1100 منشور تمييزي ضد المسلمين الأمريكيين، وهي زيادة بلغت نسبتها 1450 في المائة. وقد دعت أربع وستون من هذه المنشورات صراحةً إلى طرد المسلمين أو تجريدهم من الجنسية. وفي عام 2025، وثّق “مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية” 8683 شكوى تتعلق بالتمييز ضد المسلمين والعرب، وهو أعلى إجمالي سنوي سُجّل منذ أن بدأت المنظمة في تتبع هذه البيانات. وعلى سبيل المثال، قارن السيناتور تومي توبرفيل -عن ولاية ألاباما- بين صورة لهجمات 11 سبتمبر وصورة لعمدة مدينة نيويورك زهران ممداني، ملمحاً إلى أن “العدو موجود داخل الأسوار”. كما دعا النائب آندي أوغلس -عن ولاية تينيسي- إلى طرد المسلمين من المجتمع الأمريكي، في حين صرّح النائب راندي فاين -عن ولاية فلوريدا- قائلاً: “نحن بحاجة إلى المزيد من الإسلاموفوبيا، لا القليل منها”. وهذا الخطاب، بدلاً من أن يواجه الإدانة من قادة الأحزاب، يحظى بتبنيهم ودعمهم؛ إذ يتم تضخيمه انطلاقاً من أعلى منصب في البلاد، حيث استخدم الرئيس صوراً تستحضر أحلك فصول التاريخ العنصري الأمريكي ضد أول أسرة سوداء في تاريخ البلاد، مصوّراً في الوقت ذاته المسؤولين المسلمين المنتخبين على أنهم تهديد لأمن الأمة وهويتها. ومع ذلك، جاء رد فعل العديد من الأمريكيين معبّراً عن التضامن، وإدراكاً منهم بأن مثل هذه الدعوات ليست سوى تعبير عن الخوف؛ فهم يدركون أنه عندما يُغلق باب في وجه جارٍ ما، فإن الأمان يقلّ خلف كل الأبواب الأخرى.
في عام 1896، قدّم بوكر تي. واشنطن رداً بليغاً ومُفحماً على سياسات الفرقة والانقسام هذه. ففي معرض حديثه عن طالب أسود في الأكاديمية البحرية عانى من المضايقات طوال عامين، أشار واشنطن إلى أن التعليم الذي يمنح المرء الشجاعة البدنية للوقوف في وجه المدفع، لا بد أن يمنحه أيضاً الشجاعة الأخلاقية للوقوف دفاعاً عن الحق والعدالة. وتابع واشنطن مناشداً بكلمات لا تزال أصداؤها تتردد عبر العقود: “يا أصدقائي، نحن كيان واحد في هذا البلد… نحن نرتقي بارتقائكم، ونسقط بسقوطكم؛ وحين تكونون أقوياء نكون أقوياء، وحين نضعف تضعفُون. لا توجد قوة يمكنها فصل مصيرنا”. تذكرنا هذه الكلمات بأن الوحدة ضرورة عملية؛ فالنخب المتنفذة تقتات على وهم الانفصال بيننا، في حين يعلمنا التاريخ أن مصائرنا مترابطة ومتشابكة. إنه بيت واحد بأبواب متعددة، لكن كل باب منها يفضي إلى المساحة المشتركة ذاتها.
لقد برز جيل جديد من القادة في جميع أنحاء البلاد، ليُثبت أن الشجاعة والكفاءة متاحتان للجميع. فقد أظهر جيمس تالاريكو في تكساس -وهو معلم سابق في المدارس الحكومية- أنه يمكن للمرء أن يكون متديناً للغاية وملتزماً بشدة بالتعليم العام في آن واحد. وأثبتت ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز في نيويورك -أصغر امرأة تُنتخب لعضوية الكونغرس- أن الانتماء إلى الطبقة العاملة والتمسك الراسخ بالمبادئ يمكن أن يعيدا تشكيل المشهد السياسي. كما أظهر الدكتور عبد السيد في ميشيغان -الحاصل على منحة “رودس” والمدير السابق للصحة في ديترويت- أن الخبرة والتعاطف يسيران جنباً إلى جنب. وأثبت زهران ممداني في نيويورك -أول مسؤول مسلم يُنتخب لمنصب قيادي في المدينة- أن القيادة ترتكز على الرؤية لا على الخلفية أو الموروث. لقد وجد كل منهم بابه الخاص، وعبره، ويعمل الآن لضمان بقاء الأبواب مفتوحة لمن سيأتون بعدهم. وما يجمع هؤلاء القادة هو سماتهم الشخصية، وكفاءتهم، ورفضهم الخضوع للسيطرة؛ فهم يبرهنون على أن الحكم رسالة أخلاقية متاحة للجميع، وليس مجرد تخصص تقني حكراً على الأثرياء. إنهم يوضحون لنا أن مستقبل الرؤية الديمقراطية يعتمد على الاستعداد للتعامل مع الاختلاف، والاستماع لبعضنا البعض، وإيجاد أرضية مشتركة؛ ويذكروننا بأن بيتاً واحداً يمكن أن يضم قصصاً وأصواتاً وأحلاماً متعددة.
قال لينكولن ذات مرة: “إذا استطعنا أولاً معرفة أين نحن وإلى أين نتجه، فسيكون بوسعنا حينها أن نُحسن تقدير ما يجب فعله وكيفية القيام به”. إننا نتجه نحو أمة أكثر تنوعاً وتعقيداً، والسؤال المطروح هو: هل سنواجه هذه اللحظة بالخوف أم بالأمل؟ إن قلة من أصحاب النفوذ يزرعون بذور الانقسام لأنهم يدركون أن الشعب المتحد لا يمكن حكمه رغماً عن إرادته، لكنهم يدركون أيضاً أن الشعب الأمريكي يتمتع بصلابة وقدرة على الصمود. فتاريخ هذه الأمة هو قصة تجاوز العقبات، وجسر الهوّات، وإيجاد غاية مشتركة، والإصرار على أن الجمهورية التي نتشاركها تتسع للجميع.
لن يتماسك البيت الذي نتقاسمه إلا إذا رفضنا الانقسام. يزرع أصحاب النفوذ الانقسام لأنهم يعلمون أن الشعب المتحد لا يمكن حكمه رغماً عن إرادته، ومع ذلك، لطالما وجد الشعب الأمريكي الشجاعة لتجاوز الصعاب. لقد كانت تلك شجاعة “بوكر تي واشنطن” الذي أصر على أننا نصعد أو نهبط معاً، وشجاعة “باربرا جوردن” التي تساءلت عما إذا كنا سنكون شعباً واحداً أم أمة منقسمة. إنها شجاعة كل قائد وجد بابه الخاص وأبقاه مفتوحاً للآخرين. وتلك الشجاعة ذاتها مطلوبة منا اليوم. بيت واحد، وأبواب متعددة؛ والخيار بأيدينا: فإما أن نغلق أبوابنا ونعيش في خوف، أو نفتحها ونعيش في أمل. والجمهورية بانتظار إجابتنا.
ــــــــــــــــــــــــــ
* عادل العدلاني حاصل على درجة الدكتوراه في الإدارة العامة من جامعة ويسترن ميشيغان.


تعليقات