وجدي الأهدل*
يكتب أحدهم نصًا واقعيًا، ومع ذلك نشعر عند قراءته أن هذا غير مألوف (غريب).
وآخر يكتب نصًا تعمد الابتعاد عن الواقع، والإيغال في الخيال، ثم على عكس المتوقع ينتابنا انطباعٌ بأن هذا الكلام مألوف، كورق الخس الملفوف، ويخلو من الغرابة.
يا لها من مفارقة: الخيالي بدا لنا مستهلكًا، والواقعي بدا لنا بِكرًا، ولكن لطالما كان الأدب حافلًا بالمفاجآت.
إن السمة الأساسية للنص الأدبي هي (الغرابة). إذا لم يثر فينا النص هذا الشعور الرائع، فإنه نص عادي، دبّجه مؤلف متواضع الموهبة.
(الغرابة) التي أتحدث عنها هنا لا علاقة لها بالأسلوب الأدبي المتعارف عليه تحت مصطلح “الغرائبية”، فهذا شيء مختلف تمامًا.. فـ”الغرائبية” تقنية فنية، أما (الغرابة) فهي النبض الحي للنص.
ما أقصده أن (الغرابة) هي الروح التي تسري في جسد النص، والسواد الأعظم من القراء لا يلاحظونها، لاعتيادهم أن الأدب هو هكذا، ولا ينتبه الإنسان إلى هذه الخاصية إلا عندما يقرأ الأدب لأول مرة في حياته.
بدون (الغرابة) فإن النص المكتوب لا يعمل، لا تسري فيه كيمياء الأدبية.
واحدة من أكثر القصص واقعية في العالم، وتكاد تخلو من عنصر الخيال، هي قصة “المغفلة” للقاص الروسي أنطون تشيخوف.
تتحدث القصة عن “يوليا فاسيليفنا” المربية التي تعمل في بيت نبيل روسي، تطرق باب حجرة ذاك الثري وتطلب على استحياء أجرتها المتأخرة، يلتفت إليها رب عملها ويحاسبها على تقصيرها بالخصم من راتبها، فلا يكاد يتبقى لها سوى روبلات قليلة، ومن حسن حظها أنها لم تقصر إلى درجة أن تصبح مدينة له! يسلمها الروبلات فتأخذها مستسلمة خانعة.. إن هذا المشهد الواقعي يتكرر كل يوم منذ بدء الخليقة، حيث يستبد القوي بالضعيف، ولا جديد فيه أليس كذلك؟ وحين نضع هذه القصة في الميزان نكاد نجزم بخلوها من الخيال المجنح، ومع ذلك أعتقد، أن هذه هي أفضل قصة قصيرة في الأدب الإنساني كله.
هناك تفصيلة أخيرة يضيفها تشيخوف في خاتمة القصة:
النبيل الروسي يصرخ غاضبًا في المربية لماذا قبلت أن يستغلها؟ أن يسلبها حقها؟ ترد بأنها خدمت في بيوت أثرياء عديدين وتعودت أن تُعامل هكذا.
يسلم لها النبيل الروسي مستحقاتها كاملة، ويعلمها درسًا ألا تتنازل أبدًا عن حقها.
التصرف الأخير من النبيل الروسي بالتأكيد لا يحدث في العالم الحقيقي، وهذا ما يدمغ قصة “المغفلة” بدمغة (الغرابة).
يشعر القارئ أنه قرأ نصًا أدبيًا ممتعًا، ولكنه لا يعرف كيف جعل تشيخوف هذه القصة ناجحة، وهذه ليست مهمته بالطبع، ولكن بالنسبة للمشتغلين بفن الكتابة، فإن هذا أمر بالغ الأهمية.
إن ظهور فرد من غمار الناس يقرر أن يكتب عن المجتمع الذي يحيا فيه، هي مسألة إذا -تأملنا فيها- بالغة الغرابة.
هل ألزمه القانون بذلك؟ أم أمره الملك أو الحاكم أن يفعل؟ أو لعل المجتمع هو الذي طلب منه أن يكتب الأدب؟ الجواب قطعًا لا، فلم يحدث أبدًا أن أمر القانون أو الحاكم أو المجتمع فردًا من أفراده على وجه الخصوص أن يكتب الأدب.
نحن إذًا أمام حدث غريب فعلًا: أحد أفراد المجتمع راح يكتب الأدب من تلقاء نفسه، دون أن يكلفه بذلك العمل لا القانون ولا الحاكم ولا المجتمع.
المستوى التالي من الغرابة أن هذا الإنتاج غير عملي، ليست له فائدة ملموسة، لا قيمة له، ليس شيئًا ماديًا يوضع في الميزان فيُسعَّرُ بتسعيرة قياسية، فالأدب ليس كالذهب والفضة، ولا حتى كالفول والبصل يمكن وزنه وبيعه.. إنه سلعة غير قابلة للتداول ولا للمقايضة ولا للبيع، إنه لا شيء تقريبًا!
في الأزمنة القديمة كان شخص ما يطلب الإذن لمقابلة الخليفة، يدخل ويقول كلامًا ثم يخرج وهو محمل بالدنانير الذهبية. أحد الحمقى ظن أن الأمر مجرد كلام يُقال والسلام، فطلب الإذن ومَثُلَ بين يدي الخليفة، فقال ما جال بباله من هراء، فإذا بالحراس يطردونه شر طردة!
الأحمق الذي ضُرب وأُهين استوعب بعد فوات الأوان أن الخليفة لا يحب الكلام العادي، ولكنه يكافئ من يقول كلامًا (غريبًا).
بعد ذلك ظل الأحمق طوال حياته مقتنعًا أن الخليفة هو شخص أحمق لأنه ينفق دنانيره الذهبية على المحتالين الذين يقولون كلامًا غريبًا لا يشبه الكلام الطبيعي الذي يسمعه في السوق!
برأيكم من منهما الأحمق؟ رأيي الشخصي وبتجرد، أن الأحمق الحقيقي هو ذاك الإنسان غريب الأطوار الذي شذ عن القاعدة واتجه إلى كتابة الأدب.. وهذا البلاء لن يرتفع عنه إلا إذا بذل جهدًا شاقًا وحالفه التوفيق حتى يصل إلى مرحلة تحقيق عوائد مادية من كتاباته.
إن الأدب إذا نظرنا إليه من أيّ وجه من الوجوه سنجده يحمل ملامح الغرابة، بل إن الغرابة هي جوهره.
تبدأ الغرابة من مُنتج الأدب إلى المنتج نفسه.. وتمضي هذه الغرابة في التوسع مع توسع دائرة القراء وانتشار العمل.
وحده الناقد هو الذي يُطفئ لهب الغرابة -عن حسن نية في معظم الحالات- عندما يفكك النص الأدبي وينظر في داخله، ويكشف لنا سر غرابته.
* روائي وكاتب يمني


تعليقات