Accessibility links

وجدي الأهدل*

إن الحياة التي وُهبتْ لنا – لفترة محدودة – فيها ملايين التفاصيل التي تستحق اهتمامنا. ولكن الإنسان العربي في وقتنا هذا قد أهملها، ووضعها خلف ظهره، وركز كل اهتمامه على تفصيل واحد، صغير، هو السياسة فقط.

عرب اليوم هم انغماسيون، يُتابعون النشرات الإخبارية على مدار الساعة، ولا تفوتهم أدنى شاردة أو واردة.

ولكن من هم الانغماسيون؟ ظهر المصطلح لأول مرة عام 2001، أثناء الحرب الأمريكية على أفغانستان، واستخدمه تنظيم القاعدة لتوصيف النخبة من مقاتليه، على غرار قوات النخبة الأمريكية (الكوماندوز).

وأدناه تعريف (الانغماسي) وفقًا لتقرير مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية:

“للانغماسي مهام قتالية كالانغماس بين قوات العدو والاشتباك معه في عمق تحصيناته بهدف إرباكه والتأثير على معنوياته، وتسهيل مهمة الفصيل الذي ينتمون إليه في الاقتحام والسيطرة. وعادة ما يأتي دور الانغماسيين بعد الانتحاريين، الذين يفتحون ثغرة في الخطوط الأمامية للخصم من خلال تفجير أو عدّة تفجيرات انتحارية، يدخل بعدها الانغماسيون لإكمال مهمة خلخلة الصفوف الأمامية للخصم، تمهيداً لهجوم باقي عناصر الفصيل، وأحياناً تكون مهمة الانغماسيين إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر البشرية لدى الخصم، من دون أن يتبعها هجوم أو أن يكون لها هدف بتحقيق تقدّم ميداني. وفي هذه الحالة، يكون الانغماسيون داخل منطقة الخصم بعيدين عن خطوط المواجهة. وعادة ما يتم في هذه الحالة اختراق منطقة سيطرة العدو والقيام بتفجير انتحاري داخلها، فيستغل الانغماسيون حالة الفوضى مكان الانفجار، ويقومون بمهاجمة العناصر الذين استهدفهم التفجير ويقضون على مَن لم يتمكّن منه التفجير، ومَن يأتي للمؤازرة، فيخلقون حالة من الارباك في المكان. وغالباً ما يقاتل الانغماسي حتى يُقتل”(1).

والشاهد أن المواطن العربي العادي أصبح (انغماسيًا) دون أن يدري أنه مغموس من أصبع رجله الصغير إلى قمة رأسه في لجج السياسة، فإذا فتح شاشة التلفاز تابع القنوات الفضائية الإخبارية التي تقدم له الأخبار على مدار الأربع وعشرين ساعة، وهذه جرعة جنونية تُسبب العته، وإذا تصفح الفيسبوك وإكس وإنستغرام وسواها من مواقع التواصل الاجتماعي خاض معارك ضارية مدججة بالمنشورات والتعليقات واللايكات، وكأنه انغماسي مُجند للطرف الذي يميل إليه، دون أن يطلب منه أحد ذلك أصلًا.

الجيل السابق كان يعمل في النهار، ثم يرتاح في المساء، وفي الساعة التاسعة ليلًا يشاهد نشرة الأخبار اللعينة لمدة ساعة واحدة، ثم يشاهد فيلما أو حلقة من مسلسل، ثم ينغمس في إنجاب الأطفال، وكانت الحياة حياة حقيقية، بمعنى أن الإنسان منغمس في حياته الشخصية، ولا ينغمس في شؤون خارج نطاق حياته اليومية إلا في الحد الأدنى.     

بصورة عامة يغفل العرب عن أشياء كثيرة: عن الانغماس في البحث العلمي، عن تطوير التعليم الأساسي والأكاديمي، عن التشبع بالآداب والفنون التي تُضعف وقد تُبطل مفعول البغضاء الناتجة عن التسييس المُفرط للإنسان العربي.

إن الانغماس التام في السياسة لن ينتج مطلقًا بشرًا أسوياء، وغالبًا سيعاني هذا الإنسان الذي يستهلك كميات كبيرة من (السياسة) من اعتلالات نفسية عميقة.. والسبب هو أن السياسة عمومًا، وفي المنطقة العربية خصوصًا، أشد تقلبًا من أحوال الطقس، والمواقف أشد تفلتًا من الماء في الغربال، وقد يتغير اتجاه الريح عدة مرات في اليوم الواحد.

هذه التغيُّراتْ من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار والعكس، لن تمر هكذا مرور الكرام، ولكنها ستترك بلا شك أضرارًا جسيمة. وهي بالطبع غير محسوسة، وحتى العقل نفسه لن يوافق على أن الأذى قد حدث، ولكن الحقيقة أن الدمار الذي تحدثه هذه التغيرات على السوية النفسية أمر حتمي.

ها هو العربي يكاد يتحول إلى إنسان آلي! تتم تعبئته بمشاعر معينة، فيتصرف كما يشاء المُتحكم به عن بُعد! فتراه في الصباح يُحب هذا ويبغض ذاك، وفي المساء يضغط السياسي زرًا مختلفًا فتجده يتحول تحولًا كليًا، فيبغض الذي كان على وئام معه في الصباح، ويتصالح مع الآخر عدوه، ويقول في نفسه قد كنت أحسبه عدوي فإذا هو أحبُّ إليّ من نفسي!! وفي اليوم التالي تنقلب الأمور من جديد، ويصير الأخ عدوًا، والعدو أخًا، وهكذا دواليك تُمارس السياسة ألعابها وهي تضحك في سرها من هذا الإنسان الآلي العجيب الذي يستجيب لها في كل مرة دون إبطاء أو تردد.

يمكن أن نقبل انشغال 5% من المجتمع بالشأن السياسي، وعلى هؤلاء أن يتفرغوا للعمل السياسي، فيكون هذا تخصصهم، والدور المنوط بهم لخدمة مجتمعهم، ولا مانع أن ينغمسوا في التفاصيل السياسية، لكي يكتسبوا المهارة المطلوبة، فيمكنهم إنجاز وظائفهم السياسية وفقًا لأعلى المعايير الاحترافية.

وأما بالنسبة لـ 95% من المجتمع، فينبغي عليهم الالتفات إلى إجادة العمل في تخصصاتهم، وتوزيع ما يفيض من أوقاتهم على الأنشطة الحياتية الأخرى، كالقراءة، وممارسة الهوايات التي يحبونها، وحضور العروض المسرحية والسينمائية والحفلات الموسيقية، والالتحاق بالأندية الرياضية للتمرن ومشاهدة المنافسات الرياضية، وسوى ذلك من الأنشطة الاجتماعية التي لا تعد ولا تحصى. 

إن السياسة تجعل الحياة أضيق من خرم الإبرة، وحتى الصدور تصير ضيقة فلا تقبل البعيد ولا حتى القريب، وفي نهاية المطاف قد لا يقبل الإنسان حتى ذاته إلا على مضض!

إن قراءة الكتب الأدبية والعلمية، بجانب ممارسة الهوايات المفيدة للجسم، تُحدثُ تأثيرًا رائعًا في النفس البشرية، فإنها تُخرج الإنسان من ضيق الأفق إلى رؤية أوسع بحجم الكون، وتنزع من القلب أشواك الكراهية، فيعود كما كان على الفطرة التي فطره الله عليها، كقلب الطفل الذي لا يحمل حقدًا على أحد.

أعلم أن هذه النظرة الإنسانية للحياة لن تعجب كثيرًا من القراء.. خصوصًا من طرف أولئك المنغمسين في الصراع السياسي.. الذين يقضون حياتهم ويستهلكونها في الصراع، والذين سيذمونني لأنني أنهى عن لعب لعبة الصراع.. إنهم في حالة صراع سرمدية، ويغضبون أشد الغضب عندما يأتي شخص ما ويكشف كيف تم استدراجهم ليكونوا انغماسيين.

لعل إدوارد بيرنيز مؤسس البروباغندا (الدعاية) يضحك في كمه من ضحايا نظرياته في السيطرة على وعي الجماهير.

* روائي وكاتب يمني

(1) https://rawabetcenter.com/archives/14327

تعليقات