Accessibility links

وجدي الأهدل*

الفلسفة الوجودية تحمل أفكارًا براقة، وتعطي وعدًا للبشرية بالحرية.. إن الهدف رقم واحد في حياة الإنسان الوجودي هي أن يحيا حرًا تمامًا.

تعريف الوجودية: “حركة فلسفية تركز على حرية الفرد ومسؤوليته المطلقة في تشكيل حياته”.

أوائل الفلاسفة الوجوديين ظهرا في القرن التاسع عشر وهما سورين كيركغارد ونيتشه، ثم جان بول سارتر وألبير كامو في القرن العشرين.

خطورة هذه الحركة هي أن الإنسان في الغرب قد آمن بها واتخذها دستورًا في حياته، ثم انتشرت عدوى هذا النمط البشري إلى سائر أنحاء العالم.

لم أكن أعلم مقدار الخلل الخطير الذي يعتري التكوين النفسي والأخلاقي للإنسان الوجودي -وهو النمط السائد في الغرب- حتى قرأت رواية “الغريب” لألبير كامو.

صدرت الرواية باللغة الفرنسية عام 1942، والحرب العالمية الثانية في ذروتها، وحققت نجاحًا فوريًا، حتى أنها جلبت لكامو جائزة نوبل عام 1957.

النسخة التي معي ترجمها للعربية محمد آيت حنا، وصدرت عن منشورات الجمل ببيروت 2014. وهناك ترجمات عربية أخرى أسبق منها.

تتحدث الرواية عن (السيد مورسو) وهو شاب فرنسي يعيش في مدينة الجزائر، ويعمل في شركة شحن بحري، ويعيش حياة عادية. عندما شاخت أمه أودعها في دار للمسنين، وكانت علاقاته الاجتماعية محدودة وسطحية، ولم يخطر الزواج وتكوين عائلة بباله يومًا.. وعلى هذا المنوال من الحياة السهلة الخالية من المسؤوليات كان يظن أنه سيمضي حتى آخر أيامه.

الالتزام الوحيد الذي ألزم به نفسه السيد مورسو هو طلب المتعة، فلم يكن له أيّ مبدأ أخلاقي أو اجتماعي أو ديني أو علماني، إنه مشغول بنفسه ولا علاقة له بالآخرين.

في عام 1942 عندما أصدر ألبير كامو روايته بدا هذا النموذج البشري الوجودي نادرًا، فعنون روايته بـ”الغريب”، لكن لم يخطر بباله أن هذا النموذج سيصبح هو السمة السائدة للإنسان في أوروبا وأمريكا، حتى يصح أن نعنون الرواية بـ(الغربي)!

انطلى سحر شخصية (مورسو) على كثير من النقاد، فظنوا أن ألبير كامو هو المبشر بالمذهب الوجودي في الحياة، وأنه فيلسوف وجودي!

إذا دققنا جيدًا في رواية “الغريب” واستبعدنا آراء المفسرين والنقاد الضالين، ستكون أول خطوة هي أن نستبعد ألبير كامو من قائمة الفلاسفة الوجوديين.. لأن كل حرف في روايته يندد بالوجودية، وكل جملة تُعري خواء هذه الفلسفة التي دمرت الروح الإنسانية.

ألبير كامو هو فيلسوف مضاد للوجودية، وهذا ما اكتشفه جان بول سارتر وأدى إلى النزاع بينهما.. لقد فهم سارتر المغزى الحقيقي لأعمال ألبير كامو، وعرف أنه ينقض مشروعه الفلسفي والأدبي ويحوله إلى ركام.

لا ينتمي ألبير كامو لا فلسفيًا ولا روحيًا إلى كيركغارد ونيشته، ولكنه ينتمي إلى الأديب فيودور دوستويفسكي، هذا الذي رسم مسارًا فلسفيًا إيجابيًا للإنسان الوجودي.

لقد حدس دوستويفسكي منذ وقت مبكر جدًا بأن الحضارة الغربية ستؤدي حتمًا إلى إنتاج سلالة من البشر الوجوديين.. وهو ذاته كان أحدهم.

تتجلى براعة ألبير كامو في رسم شخصية الإنسان الوجودي بدقة متناهية، هذا الكائن الذي يبسط ظله على كوكب الأرض منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم.

في جنازة جورج بوش الأب عام 2018 تقدم ولده جورج بوش الابن أمام الكاميرات إلى النعش، وربت على التابوت بيده عدة مرات وعلى فمه شبه ابتسامة ثم ابتعد.. لاحظت أن السيد مورسو في رواية “الغريب” تصرف أيضا على هذا النحو اللامبالي في جنازة أمه.

إن الصفات الأخلاقية والاجتماعية والسلوكية للسيد مورسو في رواية “الغريب” التي استهجنها ألبير كامو وأدانها دون أن يقول ذلك صراحة، قد أضحت اليوم وبشكل مشؤوم هي الحياة المثلى التي ينشدها الجميع.

لقد أطلق السيد مورسو الرصاص على شاب عربي بسبب تضايقه من أشعة الشمس وتصبب العرق المالح على عينيه.. جريمة قتل لم ينكرها ولم يندم عليها وكأنه قتل حشرة.. وفي النهاية حكم عليه بالإعدام.

قد ينفق المرء أعوامًا في قراءة كتب الفلسفة الوجودية، وقد تخلب لبه تلك الأفكار، لكن الحقيقة ليست موجودة هناك، بل هي موجودة في شخصية السيد مورسو: الإنسان الوجودي كما هو عليه حقًا، دون تزويق أو أوهام.

أقوى صفحات رواية “الغريب” تأتي في النهاية، في الحوار الذي يجري بين القس والسيد مورسو، بين المؤمن والملحد، بين عقليتين، بين مسارين نفسيين، بين نوعين بشريين:

(لم تكن نظرته ترتجف. صوته أيضًا لم يرتجف حين قال لي: “ليس لديك إذن أمل في أي شيء، وتحيا بفكرة أنك حين ستموت سيموت كل شيء فيك؟” أجبته: “أجل”.

عندئذ خفض رأسه، وعاد للجلوس. قال لي إنه يشفق عليّ. ففي تقديره أن هذا حمل لا يطاق بالنسبة لإنسان) ص135.

هذا المقطع يُلخص تقريبًا الرواية، ويُلخص أيضًا كل الصراع الداخلي الذي يعيشه الإنسان بشأن مسألة الإيمان والكفر، بما يجعلنا ندرك إلى أين يمضي الإنسان المعاصر.

أن يحيا المرء بلا إله أمر شاق، أو حمل ثقيل كما قال القس، لكن هذا الصنف (الغريب) من البشر قد قرر على ما يبدو أن يتجاهل الأمر.

* روائي وكاتب يمني

تعليقات