Accessibility links

وجدي الأهدل*

كتاب غريب جدًا عنوانه (الماس والرماد) يجاوز عدد صفحاته الستمائة صفحة من القطع المتوسط، وموضوعه حوار صحفي مطول أجراه فيكتور دوفاكين مع الناقد الروسي الذائع الصيت ميخائيل باختين.

صدر الكتاب عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة عام 2015، وترجمه إلى اللغة العربية أنور محمد إبراهيم.

يضم الكتاب آراءً قيّمة في مختلف المجالات الفلسفية والفنية والأدبية، وكذلك شكلًا راقيًا من النميمة المثقفة المغلفة على هيئة تقييمات نقدية! يمضي القارئ خفيفًا بين الصفحات، وإذا لم ينتبه فإن الجواهر الثمينة للمعلم قد تمر من تحت بصره ولا يلتفت إليها.

ميخائيل باختين (1895-1975) هو مؤلف أشهر كتاب في العالم عن الفن الروائي: “مشكلات في شعرية دوستويفسكي” وكتب أخرى لا تقل عنه أهمية. وسيرة حياته متاحة في محركات البحث لمن يجره الفضول لمعرفة المزيد عن أحد ألمع العقول الفلسفية في القرن العشرين.

وعودًا على بدء، فإن كتاب (الماس والرماد) يحوي حوارات فكرية وفلسفية ترتقي فوق مستوى الحوارات الصحفية العادية، وما لفت نظري بشدة هي رؤية باختين الجمالية، وهي رؤية أحرزها مبكرًا بحكم تكوينه الفلسفي المتين، ثم ظل يبسطها في مؤلفاته ومحاضراته طوال حياته.

تتفق هذه الرؤية الجمالية المتفردة مع التغيّرات التي أشعر بها بشكل شخصي تجاه الفن بشكل عام، والأدب بشكل خاص، فمنذ تجاوزي عتبة الخمسين عامًا بدأت أرى الفن من منظور مختلف، أو بالأحرى مات المنهج الفني القديم الذي كنت أؤمن به في نفسي وصار رمادًا، وأخذت أبحث عن منظور يلبي أشواقي الجمالية إلى ما هو أكثر نقاءً.. شيء يشبه نقاء وصلابة الألماس.

لقد وجدت في محاورات باختين في الكتاب الآنف الذكر إشارات تدل على الذرى العليا للفن، وتنويه بكلمات قليلة لمعاني بعيدة الغور.

ليس في الوسع الإلمام بالكل، لكن أشير إلى بعض الآراء المثيرة للاهتمام، ومنها رأي يتعلق بالشعر، ومع أنه ينسبه إلى بوريس باسترناك (شاعر وروائي روسي حاصل على جائزة نوبل للأدب عام 1958) إلا أنه ينسجم مع رؤية باختين الجمالية:

“دوفاكين: ألا تذكر لنا شيئًا مما قاله عن الشعر؟

باختين: حسنًا أذكر شيئًا واحدًا: كان يرى أن الشعر، لغة الشعر، ينبغي أن تكون قريبة إلى أقصى حد من اللغة الدارجة، وبخاصة عنصر الحرية فيها، وهو العنصر المميز لهذه اللغة.. فاللغة الدارجة تخشى القوالب الفصحى وتكرهها، وهذا تماما هو الأمر الرئيسي. لا ينبغي أن تحتوي اللغة الشعرية على أية عناصر أدبية، شديدة الدقة، إذا جاز التعبير. اللغة الشعرية ينبغي أن تكون لغة حرة إلى أبعد الحدود، منطلقة من إرادة اللغة، وفي هذا السياق تكون قريبة من اللغة الدارجة. هذا ما أعنيه، نعم”ص455.

نجد هنا مفهومًا لجماليات الشعر مُغاير كليًا لما هو شائع في الثقافة العربية، ومع أن الشعر الحر قد تحرر من القافية والوزن، فإن اللغة لم تحرر، وظلت بعيدة عن اللغة الدارجة.. ونتيجة لهذه المعادلة صار الشعر العربي المعاصر بعيدًا عن الشارع، تتداوله نخبة محدودة العدد من المثقفين.

لا أظن أن هناك أيّ ناقد عربي من الوزن الثقيل أو الخفيف سيتفق مع الرؤية الجمالية التي كتب بها باسترناك أشعاره، وشرحها باختين بأيسر عبارة.

لا أدري قد يجادل البعض أن هناك اختلافًا جذريًا بين اللغتين العربية والروسية، وأن هذا القياس، أيّ قياس حكم نقدي في ثقافة معينة وصلاحيته للتعميم على ثقافات أخرى لا يصح، فإن هذا يفتح بابًا واسعًا للنقاش.

رغم إعجابي بالكتاب، لكنه خيّب أملي من ناحية عدم مناقشة أطروحات باختين في مجال الفن الروائي، توقعت أن يوجه دوفاكين حزمة من الأسئلة عن (تعدد الأصوات) وسائر الابتكارات النقدية التي توصل إليها باختين، لكنه ركز على استدراج المفكر الكبير للبوح برأيه في معاصريه وتقييم مساهماتهم الأدبية والفكرية.

يفقد القارئ العربي جزءًا لا يستهان به من الفائدة، لأن الحوار يتطرق إلى عشرات من الشخصيات المثقفة ذات المكانة المرموقة في الثقافة الروسية، وأغلبهم من الشعراء، تلك التي عاشت في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ويناقش قيمة منجزاتها الإبداعية والفكرية، لكن مع الأسف أعمالهم لم تصل إلينا، فنحن لا نعرف سوى النزر اليسير من مشهد ثقافي متنوع وغزير جدًا بالأسماء الإبداعية.. إن روسيا هي قارة أدبية وفكرية عملاقة، ونحن بالكاد نعرف بضعة أسماء، منها المسرحي فيسفولود مايرخولد والشاعر والروائي بوريس باسترناك، والشاعر فلاديمير ماياكوفسكي.

ينتمي باختين “إلى تلك الفئة من المثقفين الغامضين المتوارين في الظل” بحسب بوتشاروف الذي قدَّم الكتاب. ولعل هذا الانكفاء يعود إلى اعتقال باختين وهو في الثلاثين من عمره تقريبًا، والحكم عليه بالنفي إلى سيبيريا لمدة ست سنوات، بسبب ميوله الدينية، فظل بعد انتهاء مدة محكوميته يعيش بعيدًا عن السطح، وعن الظهور في وسائل الإعلام، وعن المشاركة في الفعاليات والمؤتمرات، خشية أن تُسلط عليه الأضواء من جديد ويتم فحص كتاباته، لأنه ظل دائمًا غير مؤمن بالنظرية الماركسية وتطبيقاتها في الآداب والفنون، ويراها انحطاطًا -بالطبع لم يصرح بذلك أبدًا- وكان يصف نفسه بأنه “مثقف غير رسمي” مبررًا اختلافه عن الجو الثقافي السائد في الاتحاد السوفييتي.. لقد كره باختين بشدة الواقعية الاشتراكية والثقافة الجادة الرسمية وكافة المظاهر الأكاديمية الجوفاء، وكل الهراء الذي كانت تنشره المجلات والصحف في حقبة الاتحاد السوفييتي، وتمسك بالنبع الأصيل للفن رغم الازدراء والنبذ والتهميش الذي عانى منه.

باختين هو مثقف عالمي من طراز فريد، سار عكس التيار، وتمرد على السلطة الثقافية والسياسية في بلاده وهي في أوج جبروتها، أيام لينين وستالين، ولم تنكسر إرادته، ولم يبالِ بالاعتقال وانفضاض الناس من حوله، وتبخيس مؤلفاته، لكن غربال الزمن قال كلمته، فذهبت أدراج الرياح أطنان من المؤلفات التافهة التي صدرت عن اتحادات الكتاب والجامعات ودور النشر السوفيتية، وانبعثت من بين الرماد بعد خمسين عامًا من التجاهل كتب باختين التي صارت حديث العالم أجمع.

يمكن القول إن الحظر على باختين قد خفت وطأته في الستينيات، عندما سُمح بإعادة إصدار كتابه الرئيسي “مشكلات الإبداع عند دوستويفسكي” عام 1963. وكان يمكنه أن يتقدم بالتماس لرد الاعتبار، كما فعل جميع الذين حوكموا ظلمًا أيام ستالين، لكنه لم يسعَ إلى ذلك.. حتى أن محاوره فيكتور دوفاكين استغرب من ذلك، فرد عليه بدهاء بما معناه أنه إذا تقدم بالتماس لمحو تلك الشائبة من سجله المدني فكأنه يعترف بشرعية تلك المحاكمة.

قام فيكتور دوفاكين بتسجيل الحوارات في شقة باختين بموسكو على أشرطة كاسيت خلال الفترة فبراير- مارس 1973 أي قبل عامين من وفاة باختين، وما تزال الأشرطة محفوظة في قسم الوثائق الصوتية بالمكتبة العلمية لجامعة موسكو الحكومية التي تحمل اسم م.ف. لومونوسوف.

* روائي وكاتب يمني

تعليقات