وجدي الأهدل*
فكرة غير مسبوقة، تمزج بين فنّي الكتابة والرسم، وتستلهم صوت طفلة ويدها، هذه المغامرة الكتابية هي حصيلة كتاب “مذكرات طفلة لم تشهد الحرب” للشاعرة اليمنية رغدة جمال، الموشى بسبعة عشر رسمًا بالقلم الرصاص لابنتها ميار الكمالي، الصادر عن دار عناوين بوكس بالقاهرة 2026.
والكتاب يستبطن زاوية الرؤية في عقل طفلة يمنية يتراوح عمرها ما بين ست إلى تسع سنوات، تعيش مع أسرتها في بلد بعيد عن وطنها، واستكشاف كيف هي مشاعرها وأحاسيسها بشأن الحرب في بلادها، وكيف تفكر حين تتلقى الأخبار عنها عبر نشرات الأخبار أو من خلال زملائها وزميلاتها في المدرسة، وهي مرحلة عمرية حاسمة لتكوين الهوية وتأسيس الانتماء للعائلة الكبرى للفرد.
استطاعت رغدة جمال خلق المسافة الصحيحة بين صوت المؤلفة وصوت الطفلة، واستعانت بضمير المتكلم لإنجاح خطتها السردية، فظهر صوت الطفلة ميار مقنعًا ومتمايزًا، طفوليًا وبريئًا، فيه السذاجة الحلوة المؤثرة، والفضول المعرفي، وطرح تلك النوعية من الأسئلة التي تُطرح لأول مرة، من طرف مخلوق يرى كل ما في العالم جديدًا، ويحمل عقلًا غضًا لم يتأسَّن بفعل بلادة الواقع.
تستغرب ميار لماذا يخلو منزلهم من الزوار:
“لماذا نحن فقط بالمنزل، بينما بيوت أصدقائي تضج بالأجداد والجدات، بالأعمام والعمات، بأبناء عمومتهم، بالخالات والأخوال وأبنائهم؟ أنا أيضًا أريد عائلة كبيرة. ماما قالت لي أن لدي عائلة كبيرة سأتعرف عليها حين يُعاد فتح المطار.. لكن متى سيُفتح المطار؟”ص18.
يتكون كتاب “مذكرات طفلة لم تشهد الحرب” من مقدمة بقلم المؤلفة عنونتها بـ”رسالة إلى طفلتي في ذكرى الثورة”، وسبعة عشر فصلًا، كل فصل يتطرق إلى حدث نقش أثره في ذاكرة الطفلة. ونقتطف من مقدمة الكتاب هذا المقطع الذي يعطينا فكرة عن الغرض من تأليفه:
“صغيرتي الجميلة..
اليوم أحاول جاهدة أن أكتب لكِ رسالتي هذه وأنا منشغلة برعايتك، فما بين فقرة وأخرى أضطر لتلبية كافة متطلباتك أو الحديث معك بتلك الأصوات التي ما زالت غير مفهومة، وإن كنت أعلم جيدًا أنها تعبير عن الحب والأمل بالمستقبل الذي ستقدمينه أنتِ وأصدقاؤك لليمن الذي يحتاج إليكم ولحبكم أكثر من أي وقت مضى.. أثق كثيرًا بأن جيلكم يستطيع أن يحقق ما عجزنا عن تحقيقه نحن.. أثق بك حبيبتي..
محبتي لك،
والدتك
نشرت في 11 فبراير 2016″ص11.
إذًا، الكتاب هو وصية للطفلة ميار ولكل أطفال اليمن الذين سيشِبّون قريبًا، ونأمل بالفعل أن يأخذوا بزمام الأمور في بلادنا ويضعوها في مسارها الصحيح.
هذا أمر حتمي أن يدرك الفناء الجيل الحالي الذي يتحكم بمقاليد الأمور في اليمن، وأن يحل محله جيل آخر، يرث القيادة والسيادة، فهذه سنة الحياة، ومن يدري قد يتمكن هؤلاء الذين نراهم الآن أطفالًا ويافعين، من قلب الطاولة غدًا، وإخراج اليمن من سلة الدول الفاشلة إلى سلة الدول الناجحة، ومن بلد طارد للسكان، إلى بلد صالح للحياة والاستقرار، يؤثر المرء البقاء فيه لا الهروب منه، سواءً أكان من أبنائه أو حتى من أبناء الجنسيات الأخرى.
تزور الطفلة ميار بلادها في زيارات متباعدة، في الإجازات الصيفية، وتنزل في بيتها في صنعاء، وتتعرف على أقاربها، وتشم عبق تراب بلادها، تعشق التفاصيل الجميلة التي يتميز بها وطنها، وتلفت نظرها الظواهر السلبية التي تشوه صورتها وما أكثرها، ولحسن حظها أن صغر سنها قد حال دون إدراكها لهول وفداحة السلبيات التي ترزح تحت وطأتها البلاد التي تنتمي إليها.
زارت ميار بلادها لأول مرة وعمرها ست سنوات، هبطت الطائرة في مطار عدن، ومن هناك استقلوا الحافلة إلى صنعاء، وفي الطريق بدأت تلاحظ مصدومة الظواهر السلبية التي لطول العهد بها صارت مألوفة لنا نحن الكبار، من مثل الصراخ العالي في المطاعم وجيوش الذباب، ودورات المياه القذرة التي لا تتوفر فيها المراحيض المريحة، والوجوه المرعبة التي تروع الأطفال في النقاط.
في صنعاء لاحظت ميار أن المدينة متسخة.. لقد خاب أملها! الحقيقة أن الذي يسكن صنعاء ولا يغادرها لا يلاحظ كم أن هذه الجوهرة التي لا نظير لها في الدنيا ترتدي أسمالًا رثة لا تليق بجمالها الفائق النظير.. ولحسن الحظ أتى موسم الأمطار الغزيرة، فظنت أن المطر ينزل من أجل تنظيف المدينة من الأوساخ.
لاحظت الخدود المنفوخة لسائقي الدراجات النارية.. حبسته مرضا! أوضحت لها أمها أنهم يتعاطون القات.
حملت الطفلة ميار ذكرى إيجابية عن صنعاء عندما زاروا صنعاء القديمة، وتجولوا في بيت صنعاني – متحف، وبدا أن هذ القطعة الفريدة من المدينة قد محت تلك الانطباعات السابقة السلبية:
“وصلنا إلى السطح في أعلى المنزل. كان السطح محاطا بسور طيني يحتوي على العديد من الثقوب الكبيرة، التي استطعت من خلالها رؤية كل مباني صنعاء القديمة من الأعلى، مثل العصفورة. ارتفع صوت أذان الظهر من عدة جهات. كان الأمر ساحرا! كل تلك المباني الملتصقة والممتدة على مد بصري. وكل تلك الأصوات المحيطة بي من كل اتجاه؛ الأذان من الأعلى، وضجيج الناس من الأسفل. جلست ماما على أرضية السطح وأجلستني في حضنها، ونحن نتأمل المدينة ونستمع إلى الأذان بصمت. سمعت ماما تهمس وهي تتنهد: “لابد من صنعاء وإن طال السفر” شعرت أنها بحاجة إلى حضن قوي، فاحتضنتها وواصلنا النظر إلى المدينة. أردت البقاء هناك إلى الأبد”ص50.
رغدة جمال مواليد صنعاء 1985، تعمل صحفية ومحررة ثقافية، صدرت لها عام 2011 مجموعة شعرية بالإنجليزية عنوانها “Lost in a Fairy Tale”، وكتاب شعري مصور بالإنجليزية عام 2012 عنوانه “Once Upon a Revolution”، وفي عام 2022 صدرت لها قصة طويلة باللغة العربية عنوانها “الخيمة”.
“مذكرات طفلة لم تشهد الحرب” هو كتابها الرابع، وهو امتداد لمشروع حياتها المتمثل في النضال من أجل يمن جديد يَفخرُ مواطنوه بالانتماء إليه.
* روائي وكاتب يمني


تعليقات