Accessibility links

وجدي الأهدل*

وأنا أمر على رفوف الكتب خطف قلبي هذا العنوان “مذكرات براس كوباس يكتبها بعد وفاته”، اسم المؤلف (دو ماشادو دو أسيس)، لم يسبق لي أن قرأت شيئًا لهذا المؤلف، ولكن اسمه ليس نكرة، ربما لمحتُ ذكره في بعض الدراسات.

إنها رواية، ترجمتها للعربية حنان صفتي، وصدرت حديثًا 2025، عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، وتقع في مئتي صفحة تقريبًا.

لم أستطع مقاومة جاذبية العنوان فأخذته، ولاحقًا حمدت الله أنني فعلت. لم أكن أعلم قيمة التحفة الأدبية التي بين يديّ، ولولا عبقرية العنوان لما انتهبت، وهذا أول درس أتلقاه من دو أسيس: عنوان الرواية مهم للغاية، إنه الباب الذي يدخل منه القارئ، فإذا لم يثر هذا الباب فضول القارئ للاستكشاف فلن يدخل أحد، وسيمر بجانبه القراء دون اكتراث.

بعد أن أنهيتُ قراءة الرواية، التي أحدثت زلزالًا جماليًا عميقًا في نفسي، تساءلتُ من يكون دو أسيس هذا؟ إنه روائي جبار، فإما أنني جاهل أو أن العالم قد تجاهله.. قمت بالبحث وهذه الخلاصة:

خواكيم ماريا مشادو دو أسيس، مواليد ريو دي جانيرو (1839-1908)، الأب المؤسس للأدب البرازيلي الحديث، ومؤسس الأكاديمية البرازيلية للآداب، ويعد واحدًا من أعظم أدباء أمريكا اللاتينية. شاعر وقاص وروائي وكاتب مسرحي وكاتب مقالات نقدية وصحفية. أعماله الكاملة تقع في واحد وثلاثين مجلدًا.

قالت عنه الناقدة سوزان سونتاغ: “أعظم كاتب أنتجته أمريكا اللاتينية”، متجاوزًا بهذا التقييم أدباء أمريكا اللاتينية الكبار أمثال بورخيس وماركيز ويوسا واستورياس ونيرودا وفوينتوس وكافة العظماء الذين أبهروا العالم بإبداعاتهم، فهو قد سبقهم جميعًا، إذ ينتمي إلى أدباء القرن التاسع عشر.

احتوت أعماله على وصفة الواقعية السحرية قبل ظهورها بنصف قرن على الأقل، وبذر بذور العديد من الاتجاهات الأدبية الواقعية والتجريبية والنفسية التي تطورت وانتشرت في أدب القرن العشرين.

كرمه وطنه فظهرت صورته على ورقة نقدية برازيلية قيمتها ألف كروزاد عام 1987، وأقيمت له تماثيل في عدة مدن في العالم، أشهرها تمثاله في مدريد بإسبانيا الذي نُصب عام 1998.

لم ينتبه العالم لهذا العبقري إلا متأخرًا، وكان العرب آخر من التفتوا إليه وترجموا أعماله. بلا شك أن دو أسيس كان اسمًا معروفًا في البرازيل منذ أواخر القرن التاسع عشر، ولكن لعل اللغة البرتغالية إضافة إلى كون البرازيل بلدًا بعيدًا عن أوروبا قلب الثقافة العالمية، ساهمت في خمول ذكره خارج حدود بلاده.

بحسب النقاد، فإن رواية “مذكرات براس كوباس يكتبها بعد وفاته” هي درة أعمال دو أسيس.

وهي عن رجل ورث ثروته من والده، وعاش حياته كلها في ريو دي جانيرو، جرب حظه في كتابة الأدب والمقالات، ولقتل أوقات فراغه أصدر صحيفة، وفاز بمقعد في البرلمان لتحسين مركزه الاجتماعي.. لم يكن رجل سياسة، كما أن حياته افتقرت إلى الهدف، لم يتزوج ولم ينجب، وأبرز ما قام به في حياته علاقته غير الشرعية بامرأة متزوجة.

وتبدأ الرواية بحدث وفاة براس كوباس:

“وعلى ما تقدم، فقد قضيتُ نحبي في الساعة الثانية ظهر يوم الجمعة من شهر أغسطس 1869 في مزرعتي الجميلة بإحدى ضواحي كاتومبي. كان عمري حوالي أربعة وستين سنة من القوة والازدهار، كنت أعزب، وكنت أمتلك حوالي ثلاثمئة كونتو”ص7.

الرواية جميلة جدًا كما أسلفت، ولكن من خلال عرض الطابع العام لشخصية بطل الرواية قد نشعر بخيبة الأمل أليس كذلك؟ ولكن لكي نفهم ما يرمي إليه دو أسيس، فيجب أن نتأمل في المعلومات التالية المتعلقة به:

دو ماشادو دو أسيس، روائي، أسمر البشرة، والده من أصول أفريقية، وأمه برتغالية بيضاء. أجداده عبيد محررين. وهو شخصيًا نشأ في أسرة مدقعة الفقر، لم تمتلك عائلته رفاهية إرساله إلى مدرسة، فعلّم نفسه بنفسه، إنه شخص عصامي، معجزة بشرية تسعى على الأرض!

فلماذا كتب دو أسيس هذه الرواية عن أديب من الطبقة الارستقراطية؟ هذا الروائي الداهية أدان الطبقة الارستقراطية في عصره دون أن يقول كلمة واحدة مسيئة.. تخيلوا مقدار المكر الذي امتلكه هذا المؤلف!

بالمناسبة، لقد صوّر دو أسيس بطل روايته تصويرًا بارعًا، بل وجذابًا، فالقارئ يحب هذه الشخصية، فالدكتور براس كوباس مرح لطيف، كلامه لا تمل منه أبدًا، وملاحظاته عن النفس البشرية ثاقبة ومنصفة وعادلة، وهو نفسه شخص خيّر، يساعد المحتاجين، ويمد يد العون لمن يسأله، وقد أحسن إلى جميع من حوله.. فأين إذن الإدانة الماكرة التي لوحنا بها؟ القارئ العادي سيخرج بانطباع مفاده أن الدكتور براس كوباس شخص طيب وعادل. وربما هذا الانطباع الذي أراد دو أسيس إيهام قرائه الأوائل به، ليتجنب أيّ ردة فعل عدائية من تلك الطبقة التي صار ينتمي إليها، وصارت تحتفي به.

لكن بعد أن نضع الرواية جانبًا ونتركها لتبرد بمرور الوقت، وبعد أن يزول سحر شخصية براس كوباس، نكتشف أن الطبقة السطحية مخادعة، وأن ثمة طبقة مخفية بمهارة وخبث.. إذ حين نحلل شخصية براس كوباس ونعيد تقييمها من وجهة نظر محايدة نصل إلى ما يلي:

*دكتور براس كوباس درس ثماني سنوات في أرقى جامعات أوروبا، ثم لم يمارس أيّ عمل طيلة حياته تقريبًا، فهو عاطل بالوراثة.

*صحيح أنه ساعد المحتاجين بالصدقات، ولكنه لم يساهم بأيّ شكل من الأشكال في خدمة وطنه وشعبه، ولم يساعد أولئك المحتاجين في تعليمهم شيئًا نافعًا يخرجهم من محنة العوز، أو يؤسس مشروعًا يستوعب اليد العاملة.. لا لم يستخدم ثروته في هذا الاتجاه، لم يوظفها في صالح تنمية الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل، بل اكتفى باحتكار الثروة ليصرفها على نزواته ومآدبه ومصروفاته الشخصية.

*لم يتزوج، لم يعش حياة اجتماعية فاضلة، وعاش حياته كلها يمارس الزنا مع امرأة متزوجة، وكانت هذه أخبار هذه العلاقة الشائنة معروفة في أنحاء المدينة. لقد خلق وضعًا اجتماعيًا منفرًا في المدينة: الزوجة خائنة ولا تعرف إذا حبلت لمن الولد، الزوج ديوث يعرف بالعلاقة ويضطر إلى السكوت عنها حرصًا على وضعه السياسي، والعشيق فاسق غني يشتري دارًا ويسكن فيها قوادة ليستمر في تلك العلاقة الفاضحة التي تعلم بها كل بيوت المدينة.

*تساؤلات دكتور براس كوباس الفلسفية، تبدو سليمة في ظاهرها، ولكنها تكشف بعمق مذهل عن نفسية الشخص الارستقراطي الذي يرى البؤساء مخلوقات لا لزوم لها في هذا العالم.. ومثال ذلك عندما تتوفى المرأة القوادة، فيستعرض في فكره مسار حياتها منذ ولادتها، ويستنتج أنها عاشت في معاناة وكدّ وألم، فيتساءل ما الداعي لأن تخلق مثل هذه الإنسانة؟ ويشطح به الغرور إلى تصور أن الفائدة النسبية من وجودها في الدنيا أن تساعده في خدمة أغراضه.

وهناك المزيد من النقاط السلبية المتعلقة بشخصية براس كوباس، نجح دو أسيس في عرضها بحذق، دون أيّ إدانة شخصية من جانبه، وساعده في تحقيق هذا الهدف استخدامه ضمير المتكلم في سرد الرواية من أولها على آخرها، وهذا على طريقة (من فمك أدينك).

هذا التكنيك الروائي المتقدم ما يزال فوق المستوى المتوسط للسواد الأعظم من الروائيين في العالم، فقط قلة تُعد على الأصابع تمكنوا من الوصول إلى هذه الذرى العالية للفن الروائي.

* روائي وكاتب يمني

تعليقات