Accessibility links

إعلان
إعلان

وجدي الأهدل*

سافر إيرلنغ كيج إلى القطب الجنوبي هربًا من ضجيج عالمنا الصاخب، ومكث هناك خمسين يومًا لم يرَ وجه إنسان، ولم يسمع أيّ صوت.. وخرج بتجربة روحية تستحق أن تُروى، وهو ما فعله في كتابه “الصمت في عصر الصخب” (ترجمة د. عبدالوهاب المقالح)، الذي أوضح فيه مزايا الصمت كعلاج للروح البشرية.

عندما انتهت رحلته وقابل أول إنسان، وجد صعوبة في الكلام، مشقة في إجراء الحوار المعتاد.. لا يعود الإنسان كما كان بعد رحلة كهذه.

يمكن تلخيص حياة الناشر النرويجي إيرلنغ كيج أنه قضى حياته في مطاردة الصمت!

في مرة من المرات عندما بلغ الضجيج المحيط به أوجه، ترك مكتبه في أوسلو وسافر بالطائرة من أقصى شمال الكرة الأرضية إلى جنوبها لمدة 17 ساعة متواصلة، ليظفر بشيء من الصمت في سريلانكا.

إيرلنغ كيج إنسان متعطش للصمت، رحل إلى القطب الشمالي وإلى الصحارى الإفريقية، وإلى مناطق نائية في العالم، منها قفار لا يطؤها بشر في تشيلي، وربما لو أتيح له السفر إلى كوكب آخر خالٍ من الضجيج لفعلها دون تردد.

(الصمت) تحول بالنسبة إليه إلى أسلوب حياة، طريقة تفكير، المعنى الحقيقي للسعادة.

وبحسب الأفكار والمقولات التي طرحها في كتابه الآنف الذكر، فإن الإنسان فقد سلامه الروحي والبصيرة النافذة والتفكير السليم والقدرة على التركيز، بسبب نمط حياتنا العصرية المكتظ بالمؤثرات والملهيات والأصوات:

شاشات التلفزيون، وسائل التواصل الاجتماعي، الهاتف، الراديو، الأفلام، الموسيقى، إلى ضجيج المدن الإجباري مثل أصوات السيارات وتحليق الطائرات.

في خضم ضجيج كهذا يفقد الإنسان معرفته بنفسه، ويبعثرها إلى ملايين الأجزاء حتى تعود غريبة عنه، بل إنه يخاف ويستوحش منها لشدة اغترابه عنها.

الجنس البشري وصل إلى مرحلة تطورية تضعه في سياق مختلف تمامًا عن الأجيال السابقة.. لم يعد بإمكان الإنسان المعاصر أن يبقى مع نفسه وحيدًا! إذا نحن طلبنا من أيّ شخص أن يقطع تواصله مع العالم لمدة ساعة ويبقى ساكنًا صامتًا، فإنه سيشعر بضجر غير محتمل، وسيعد هذا من أقسى أنواع التعذيب!

علامة الإنسان المعاصر – الذي أمرضته الأجهزة الإلكترونية – أنه لا يطيق البقاء مع نفسه أكثر من دقائق معدودة، ثم تمتد يده إلى أقرب جهاز في متناوله ليدفع عن نفسه الموت من شدة الملل!

انتشرت في الغرب موضة أندية الصمت، حيث بُنيتْ صالات بجدران عازلة للصوت، يدخل فيها الناس للحصول على زهاء ساعة أو أقل من الصمت.

يسخر إيرلنغ كيج من هذه الأندية التي تُصَنِّع (الصمت) وتُعَلِّبه، موضحًا أن هناك نوعًا رديئًا من الصمت، أسماه (الصمت السلبي)، ومعناه أن يفرض الفرد على نفسه نوعًا من العزلة الجسدية، ولكن عقله ما يزال يلوك عددًا لانهائيًّا من الأفكار والمواقف والانفعالات والذكريات، وهكذا ذهاب وإياب من الماضي إلى المستقبل دون توقف.

الصمت لا يعني فقط أن نوصد الأبواب، ولكن يعني أن نوصد عقولنا، ونوقف حركة التفكير في الماضي أو المستقبل، ونفكر في الحاضر.

يقلق الإنسان المعاصر بشأن مهنته، وبشأن الفواتير، وبشأن أطفاله، وبآلاف الشؤون الأخرى، فلذلك عقله لا يكف عن التفكير المتواصل، ليل نهار، دون راحة. إنه يركض منذ أن يستيقظ حتى ينام، ومنذ أن يولد حتى يموت، ويظن أنه إذا توقف عن الركض فإنه خاسر لا محالة! ولكن كيف نقنعه أن الخسارة الحقيقية هي في متابعة الركض إلى ما لا نهاية..

نحن نبقى على اتصال مع أجهزتنا الإلكترونية خشية أن يفوتنا شيء ما، الشيء الحقيقي الذي يفوتنا هو عمرنا.

يقول إيرلنغ كيج:

“أيّ الدروب تقود إلى الصمت؟ بالتأكيد الرحلات في البراري، دع كل إلكترونياتك في البيت، انطلق في أحد الاتجاهات حتى لا يبقى حولك شيء، كن وحيدًا لمدة ثلاثة أيام، لا تتحدث إلى أيّ أحد، وبالتدريج سوف تستعيد اكتشاف الجوانب الأخرى من نفسك”.

هل يستحق الأمر أن نغلق هواتفنا وأجهزتنا الإلكترونية لنكتشف شيئًا جديدًا عن أنفسنا؟ هل يوجد حقًّا ما يستحق الاكتشاف؟ إنه لأمر محزن أن يمتنع الإنسان بإرادته عن اكتشاف جوانب لا علم له بها من نفسه.

على الأرجح يظن الإنسان المعاصر أن الصمت إذا طال عن حده قد يُسلمه إلى الجنون، ولكن قد يكون العكس هو الصحيح، وأن الإنسان المتاح طوال الأربع والعشرين ساعة هو المجنون حقًّا.. بمجرد أن يُشغّل المرء شاشة التلفزيون ليشاهد نشرات الأخبار مثلًا، فإنه دون أن يدرك يجعل نفسه متاحًا لتلقي الغثاء والثرثرة والإزعاج غير المجدي.

قد لا يستطيع الكثير منّا مغادرة مكانه والقيام برحلات إلى الأماكن المقفرة، ولكن مع ذلك يمكننا أن نفوز بـ(الصمت) دون أن نسافر بعيدًا، لأن (الصمت) مجاني ورخيص للغاية، ولا يحتاج إلى أيّ تكاليف بالمرة.. وإيرلنغ كيج توصل إلى هذه الحقيقة البسيطة بعد رحلات كلفته الكثير:

“كان عليّ أن أستخدم ساقيّ لأذهب بعيدًا كي أكتشف هذا، ولكني أعرف الآن أن من الممكن أن نظفر بالصمت في أيّ مكان.. ما تحتاجه فقط هو أن تَطْرَح، أن تنسحب، أن تخرج.. إن عليك أن تعثر على قطبك الجنوبي”.

* روائي يمني.

   
 
إعلان

تعليقات