وجدي الأهدل*
أنصح كل من يرى في نفسه موهبة إبداعية أن يقرأ رواية إميل زولا “إبداع”، فهذه الرواية التي تربو على الخمسمائة صفحة تناقش باستفاضة تأثير البيئة المحيطة على الفنانين، وكيف يمكن لزهور الإبداع الرقيقة أن تذبل وتتلف إذا وجدت في مناخ قاسٍ لا يرحم.
ترجمت الرواية إلى العربية سارة رجائي يوسف، وراجعتها جينا بسطا، وصدرت عام 2015 عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة.
أصدر إميل زولا رواية “إبداع” عام 1886، وهي تتحدث عن أوضاع المبدعين في عصره، ورغم الفوارق الثقافية بين الحضارتين الغربية والعربية، فإننا نجد تشابهًا مثيرًا للدهشة بين أوضاع المبدعين الفرنسيين في القرن التاسع عشر، وأوضاع المبدعين العرب في القرنين العشرين والحادي والعشرين.
عندما نصل إلى الصفحة الأخيرة، لابد أن نستجيب لإغراء إجراء المقارنة بين المناخ الثقافي في عصر إميل زولا والمناخ الثقافي في عصرنا، وبين أحوال المبدعين في فرنسا آنذاك وأحوال المبدعين العرب في زماننا، وسنخرج بنتيجة أننا الآن الأكثر شبهًا بالمقاربة التي أجراها إميل زولا في روايته.
ما يقوله إميل زولا أن الهموم الإبداعية هي نفسها في الغرب والشرق، في القرون الماضية أو اللاحقة، وأن التهميش الذي يتعرض له المبدعون الحقيقيون هي سمة كل العصور.
تتلخص عبقرية إميل زولا في استنتاجه لقانون (الإبداع) من خلال ملاحظته لمجايليه من الفنانين:
الفنان الحقيقي ينتج إبداعًا سابقًا لعصره، فيتعرض للسخرية والنقد اللاذع والإيذاء النفسي، ويكون مكروهًا في البيئة التي ظهر فيها إبداعه.. ثم بعد موته جسديًا أو معنويًا، وانقضاء الوقت اللازم لينضج الجديد الذي أتى به، تتهاوى الأساليب الفنية التي كانت سائدة في زمنه، ويظهر تأثيره في الأجيال التالية، وينال المكانة التي يستحقها بوصفه رائدًا لحركة فنية ومجددًا من مجددي الإبداع.
هذا القانون الذي يَسَّر لنا إميل زولا رؤية كيف يعمل في الواقع، نجده يتكرر في كل مكان وزمان، ولعل أقرب مثال يرد إلى أذهاننا، هو الروائي التشيكي فرانس كافكا، الذي لم يجد ناشرًا لأعماله فأوصى بإحراقها بعد موته، ومات فقيرًا مغمورًا لا أحد يعرفه، ثم بعد مرور مائة عام أصبح يصنف كواحد من أهم كتاب الرواية والقصة في القرن العشرين.
الأمثلة كثيرة جدًا، ويكفي المثقف أن يتلفت حوله.
تتحدث الرواية عن شلة من المبدعين، أصدقاء شبان ارتبطوا ببعضهم برباط الموهبة الفطرية، بينهم الرسام والنحات والمعماري والروائي والناقد الفني، وكل واحد منهم يحمل في داخله طموحًا عظيمًا للمجد ونيل الثروة والحظوة في المجتمع.
تركز الرواية على الفنان التشكيلي (كلود) الذي يلوح مبشرًا أكثر من زملائه بالنبوغ والعبقرية، فهو قائد المجموعة، ورائد المدرسة التأثيرية بلوحته “في الهواء الطلق”، وهو تيار فني سيخوض صراعًا ضد الأكاديميين الذين يبجلون الفن الرسمي الكلاسيكي.
كل واحد من هؤلاء الشباب سيسعى لإحداث ثورة في مجاله؛ كلود وفاجرول في الرسم، وصاندوز في الأدب، ودوبوش في العمارة، وماهودو في مجال النحت.
إنها طموحات سامية، تحتاج إلى إرادات تقلع الجبال من مواضعها، فأن يقوم فرد واحد بنقض الأساليب الفنية في عصره ويوجد بديلًا عنها، ويُغيِّر اتجاه الفن من مسار كلاسيكي إلى مسار حديث، لهي ميزة نادرة جدًا، وعدد هؤلاء الأفراد هو محدود للغاية في كل العصور الفنية.
يضعنا إميل زولا في قلب هذه المعركة الفنية؛ فنرى هؤلاء المبدعين الفقراء المدفوعين بفورة الشباب يلتقون في مقاههم المفضل، ويتجمعون حول طاولتهم المعتادة، وننصت لهم وهم يتناقشون مناقشات حامية وجادة حول الإبداع الجديد الذي ينشدونه، وتعلو أصواتهم وهم ينتقدون رتابة الأساليب الفنية التي عفا عليها الزمن من وجهة نظرهم. ثم يتصادف أن ينضم إليهم رسام كهل يبجلونه ويرونه بمثابة معلم لهم، اسمه بونجراند، هو الآخر رسام متمرد على التيار الرسمي، لديه أعمال ذائعة الصيت، وهو متعاطف معهم وإن كان في داخله يشفق عليهم مما ينتظرهم:
“ظل بونجراند يسمعهم بشيء من التبرم وقد علت وجهه ابتسامة تنم عن المعاناة، ثم سأله فاجرول عن آخر لوحاته، فقال وهو يهز كتفيه: “يا إلهي! لا شيء.. لا شيء سوى لوحات صغيرة. لن أعرض شيئًا هذه المرة. أنا أبحث عن شيء جديد.. ما أسعدكم أنتم الذين لا تزالون عند سفح الجبل، في بداية طريقكم! فعندها تكونون شجعانا وأقوياء، قادرين على الصعود. ولكن بمجرد وصولكم للقمة، لا يعود بوسعكم شيء، وتبدأ المضايقات! فالصعود بالفعل شاق، عذاب حقيقي ومجهود لا ينتهي خوفا من السقوط السريع! صدقوني! ستفضلون البقاء في السفح حيث الحرية.. اضحكوا الآن كما شئتم، فسترون يوما ما!” ص 117.
كلمات بونجراند الرسام المهمش من المؤسسات الرسمية والمنبوذ من الأكاديميين الجامدين هي ملخص الرواية ولبها، فهو قد تنبأ بما ستلاقيه تلك العصبة من المبدعين الشباب من مصاعب وأهوال.. وإذا كانت أقواله نابعة من تجربة شخصية اكتسبها من معايشته للوسط الثقافي الفرنسي في القرن التاسع عشر، فإن تحذيراته الصادقة ما تزال صالحة للمبدعين في كل الأزمنة والأمكنة.. وإني أراها نصيحة أثمن من الذهب، تستحق أن يسمعها ويعيها كل مبدع شاب قد عزم أمره على السير في هذا الدرب.
ما الذي جرى لكلود ورفاقه من المبدعين؟ لن أفسد على القارئ متعة قراءة الرواية، وكل ما يمكنني إفشاؤه هو أن للإبداع أحيانًا ضريبة باهظة.
توارى إميل زولا خلف شخصية (صاندوز)، وهي الشخصية الثالثة من حيث الأهمية في الرواية، وكشف من خلال هذه الشخصية عن الآلام النفسية المبرحة التي يعاني منها:
“لقد ابتلع العمل حياتي كلها، سرق مني أمي وزوجتي وكل ما أحبه. إنها تلك البذرة التي زرعت في عقولنا لتنهشنا شيئا فشيئا، لتسري بعد ذلك في الأوصال والأطراف وتصيب الجسد كله. فبمجرد أن أستيقظ في الصباح، يستحوذ عليّ العمل، فأتسمر أمام المنضدة، عاجزا حتى عن التنفس، ثم يطاردني أثناء الغداء، وكأنني أبتلع كلماتي مع خبزي. وإذا خرجت أجده يلاحقني، ثم يعود ليتعشى معي ويخلد إلى النوم معي، يا له من عذاب! لا أستطيع أن أمنعه، حتى أصبحت دائم الشرود.. ولكنني لا أستطيع الهروب من مأساتي، فسرعان ما أعود إلى شرودي وانهماكي في العمل، وأغرق في نوبات الإهمال والكآبة، بحسب سير العمل، إذا كانت كتاباتي الصباحية جيدة يسير اليوم على ما يرام، وإن بقيت صفحة واحدة في حالة يرثى لها، تغمرني التعاسة، يشاركني كل من في البيت ضحكاتي وبكائي.. تبخرت أحلامي السابقة بالراحة في الريف، والسفر للأماكن البعيدة، فاليوم، لا أفعل سوى الانعزال لأنهي أعمالي، فلا نزهات في الأيام المشمسة ولا جولات مع صديق، ولا كسل! وكأنني أغلقت باب العالم خلفي وانعزلت عنه تماما، وألقيت المفتاح من النافذة، فلم يعد سبيل إلى الخروج.. ولا أرى سوى العمل الذي يفني حياتي ببطء” ص 381-382.
تتجلى عبقرية إميل زولا في التصوير البارع للصراع الداخلي لشخصياته، وهو الصراع الذي يعرفه كل مبدع يمارس فنًا من الفنون، وهو يشرح في صفحات مطولة هذه الصراعات الداخلية المعقدة التي تنتاب الفنانين، ويقدمها بأدق تفاصيلها.
رواية “إبداع” هي أجود ما كُتب في الأدب العالمي عن أصحاب المواهب الإبداعية، قد تبدو الرؤية سوداوية نوعًا ما، ولكن ما كان بإمكان إميل زولا إلا أن يصارحنا بالحقيقة، وإن تكن مريرة.
* روائي وكاتب يمني


تعليقات