- لم يعد في الرفوف سوى صحيفتين محليتين بعد أن كانت تعرض ثماني صحف يومية وعشرات المجلات العربية قبل الحرب
صنعاء – “اليمني الأميركي” – أحمد الكمالي:
في كشك صغير، في ميدان التحرير بالعاصمة اليمنية صنعاء، اعتاد سعيد علاو أن يبدأ صباحاته بترتيب جديد الصحف والمجلات والدوريات والكتب، منذ أكثر من 45 عامًا، أفنى فيها عمره بالعمل في بيعها للقراء والمهتمين والمارة، الذين اعتادوا على التوقف أمام كشك “الوحدة” ، الذي يملكه سعيد، فيستقبلهم بابتسامته الهادئة، التي لم تغيرها الأحداث وتقلبات الزمن، لكنه يبزر عنوانًا مهمًا من عناوين ميدان التحرير وسط المدينة، ليبدو هذا الكشك وصاحبه اليوم وكأنهما يحرسان ما تبقى من ذاكرة المدينة، وبخاصة في علاقتها بالصحافة والقراء الذين انهكتهم الحرب.
لم تعد حركة البيع والشراء في كشك سعيد اليوم، كما كانت عليه سابقًا بسبب ظروف الحرب وانطفاء الصحافة الورقية وتغير نمط القراءة بفعل التكنولوجيا، لكن سعيد لا زال مواظبًا في مكانه، متشبثٍا بشغف المهنة التي تمثل مصدر الدخل الوحيد لأسرته.
التقينا سعيد، صاحب كشك الوحدة في ميدان التحرير، وسط صنعاء، وتحدث إلى “اليمني الأميركي”، بمرارة ومحبة وحنين، عن محطات في رحلته في بيع الجرائد والصحف منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وكان عمره حينها بحدود 10 أعوام، وحتى اليوم، وهو في الخمسينيات، ولا زال يمارس عمله بتفانٍ دون كلل أو ملل.
- بدأ تراجع الصحافة الورقية مع انتشار الهواتف الذكية، قبل أن تعمقه الحرب وتوقف الرحلات الجوية
من الأرض إلى كشك الوحدة
يستذكر صاحب كشك الوحدة، سعيد علاو، في حديثه لـ”اليمني الأميركي”، بداياته ومشواره في العمل بهذا المجال: “بدأتُ أبيع صحفًا ومجلات وكان عمري صغيرًا، يمكن من السبعينيات، وكنت برفقة أخي، وكنا نجلس على الأرض في الميدان ونعرض الصحف والكتب، وبعدها بفترة سوينا كشك صغير وكان اسمه كشك “جمال جميل”، واستمرينا بالعمل فيه حتى مطلع التسعينيات، حينها استأجرت هذا الكشك بسعر رمزي من مؤسسة الثورة للطباعة والنشر”.
ويشير علاو إلى أنه بعكس واقع الكشك اليوم من ركود في المبيعات، كانت فترة التسعينيات بمثابة الفترة الذهبية للنشاط والعمل نتيجة للحراك السياسي والثقافي الذي صاحب مرحلة إعلان الوحدة اليمنية، وفيه تزايدت أعداد الصحف وكانت وسيلة الاتصال والتأثير والتعبير خلال تلك المرحلة، وتزايدت معها مبيعات الكشك، لدرجة استدعت وجود خدمة اشتراك يومي وأسبوعي، يقدمها الكشك لزبائنه من شخصيات ومؤسسات.

حينما كانت الصحيفة موعدًا يوميًا
وهكذا استمر العمل بوتيرة جيدة في العقد الأول من الألفية الثانية إلى أن وقعت الأزمة في البلد عام 2011، والتي واكبها تغير ملموس في نمط القراءة عند الجمهور اليمني، بالذات الشباب، إذ انتشرت وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية وبدأت تأخذ مكانها على حساب الصحف الورقية التي انحسر الإقبال عليها.. إلا أن الفترة الأسوأ التي يمر بها الكشك بدأت منذ وقوع الحرب على البلد عام 2015.. إذ يؤكد مالك الكشك، سعيد علاو، أن “العمل يتدهور منذ بداية الحرب عامًل بعد الآخر”، لدرجة أن العائد المادي من مبيعاته حاليًا بالكاد يلبي الالتزامات الأساسية لسعيد وأسرته، لولا أنه يسكنهم في منزل يملكه ولا يضطر معه إلى دفع تكلفة الإيجار.
- بعض زبائن الكشك عادوا إليه بعد الحرب، لكن ليس لشراء الكتب، بل لبيع مكتباتهم
- انتهاء الصراع في البلد أملُ سعيد
الحرب.. أفرغت الرفوف
ويوضح علاو، في حديثه انعكاسات الحرب على نشاط كشكه وحياته وحياة اليمنيين، بالقول: “غالبية الصحف والمجلات المحلية توقفت عن الصدور، وتلك التي كانت تأتي من الخارج هي الأخرى تعذر وصولها نتيجة توقف الرحلات من وإلى مطار صنعاء، وما عد قدرنا نوفي أو نواكب رغبات وتفضيلات الزبائن”.
عند زيارتنا لكشك الوحدة، لاحظنا خلو رفوفه من الصحف الورقية والمجلات حديثة الصدور عدا صحيفتين محليتين فقط، في حين يشير مالكه سعيد علاو إلى أن الكشك كان يعرض للقراء في السنوات التي سبقت الحرب، من (7-8) صحف يومية محلية، علاوة على الصحف الأسبوعية بمختلف أنواعها من سياسية، ثقافية، سياحية، وإعلانية، وحتى باللغة الإنجليزية.
كما كانت تصله دون انقطاع مختلف المجلات ودوريات الكتب العربية، ومنها مجلة العربي الكويتية، و”روز يوسف” المصرية، وإصدارات كتب “عالم المعرفة” و”الأمة”، وغيرها الكثير.
يأمل سعيد علاو بأن ينتهي الصراع في البلد لتعود المجلات والصحف إلى رفوف كشكه
زبائن يبيعون مكاتبهم
ويلفت علاو إلى أنه بالإضافة إلى ندرة الصحف والمطبوعات، فإن ظروف الحرب وانقطاع رواتب الموظفين، أضعف القدرة الشرائية للناس، لدرجة أن الكثير من زبائن الكشك عادوا إليه في مرات كثيرة، لا ليتزودوا منه بكتب أو مقتنيات جديدة، بل ليعرضوا ما تحتويه مكاتبهم وخزناتهم من كتب ومجلات قديمة، بمقابل أسعار زهيدة.
أمام هذه التحديات المتراكمة التي فرضتها الظروف على نشاط الكشك، يؤكد سعيد علاو أن خياره في الاستمرار والبقاء خلال هذه السنوات وحتى اليوم، يأتي من “إيمانه بأهمية التمسك بالعمل كقيمة تغنيه وتحميه مع أسرته المكونة من 4 أولاد وابنتين (بمراحل عمرية مختلفة) وزوجته، من الحاجة والعوز والمهانة”.

الاعتماد على النفس.. فلسفة سعيد في الحياة
يؤكد مالك كشك الوحدة، سعيد علاو، أن خلاصة الدروس التي استخلصها في حياته، تتمثل في مبدأ “الاعتماد على النفس كفضيلة وعدم ترك مصدر الرزق مهما كانت التحديات”، ويدعو الشباب اليمني عبر “اليمني الأميركي” إلى الإيمان والالتزام بذلك، بالإضافة إلى دعوته لهم إلى “الاهتمام بمواكبة القراءة واستثمار الوقت بما هو مفيد، وعدم إهداره”.
ويؤكد سعيد أن “العلاقة التي تطورت بينه والكشك والصحف لا يمكن اختزالها بالبعد المادي فقط، بل علاقة شغف، ورحلة عمر، لدرجة أنه لا يتصور نفسه يعمل في مهنة أخرى”.
ويشير سعيد علاو إلى أن “العمل في الكشك أتاح لي معرفة الكثير من الشخصيات من مختلف الأعمار والمكونات، بينهم أعضاء مجلس نواب ومثقفين وكتّاب وفنانين وإعلاميين وطلاب وغيرهم من زبائن الكشك.. الله يكتب الخير للجميع”.
ويعوّل سعيد علاو على نجله “نصر” الذي يساعده حاليًا في المناوبة بالعمل في الكشك، أن يتمكن في تطوير العمل بالكشك وجعله مواكبًا للتغير في نمط التواصل السائد كالحضور الرقمي، وقبل ذلك يأمل بأن تنتهي مرحلة الصراع والحرب ويعود الاستقرار إلى البلد، ومعه المجلات والصحف والكتب إلى رفوف الكشك، وحتى تستمر قصة سعيد علاو في كشك الوحدة.


تعليقات