وجدي الأهدل*
غلاف الرواية امرأة مكممة الفم بقفل حديدي، وعنوانها غير مفهوم: “أنروكسيا”. كلمة لم أسمع بها من قبل، وتبين لي لاحقًا أن نسبة 0.1 من البشر يعلمون معناها.
جرني الفضول للبحث عن معنى الكلمة، واكتشفت أنها مصطلح طبي:
القهم العصبي أو القهم العُصابي أو فقدان الشهية العُصابي هو اضطراب في الأكل يتميز بانخفاض الوزن، تقييد الطعام، اضطراب صورة الجسم، الخوف من زيادة الوزن، والرغبة الطاغية في أن يكون الشخص نحيفًا”(ويكيبيديا).
لطيفة الحاج روائية إماراتية، خاضت تحدي الكتابة عن معشر الأنروكسيين، وهم فئة اجتماعية لا نكاد نشعر بوجودهم مع الأسف. إذ لا توجد في البلدان العربية إحصائيات موثقة عن أعدادهم بيننا، ولكن المرء إذا عاد بذاكرته للوراء سيتذكر أنه صادف رجالًا ونساءً كانوا يعانون بصمت من هذا الداء، ولكن المجتمع لم يكن يفهم أنهم مرضى يمكن شفاؤهم.
تقديري الشخصي أن مؤلفة الرواية حققت نجاحًا لافتًا في شرح أعراض المرض بدقة، ووصف ما يمرون به من آلام نفسية مبرحة، ووهن جسدي مزمن، ودافعت عن وجهة نظرهم ومبرراتهم، وأبدت تفهمًا وتعاطفًا عميقًا مع مأساتهم.
صدرت رواية “أنروكسيا” عن الدار العربية للعلوم ناشرون بالشارقة، عام 2024، وتقع في مئة وأربعين صفحة.
الرواية كلها مونولوج خفيف وسلس منضبط الإيقاع للشخصية الرئيسة (سلامة)، وهي تقنية تنتمي إلى تيار الوعي.
أحيانًا يُقاطع تدفق هذا الحوار الداخلي بحوارات خارجية، وفي حالات نادرة بأصوات شخصيات مُقرَّبة، ولا يتمادى هذا التداخل إلا كصدى للصوت المهيمن.
إنما بصورة عامة، البناء الفني للرواية محكم، ولا توجد جملة واحدة زائدة لا تضيف للمعنى، فلا استطراد، ولا سرد مجاني.. هناك مهارة ملحوظة في إمساك خيوط السرد من أول الإهداء وحتى السطر الأخير من الرواية. وهذه نقطة لفتت انتباهي بشدة، لأنني لاحظت عيبًا شائعًا في الروايات العربية، وخصوصًا الإصدارات الحديثة، أنها تعاني من الترهل: شحوم سردية خارج سياق المعنى تُثقل جسم العمل، لا لشيء إلا لضعف الحس الجمالي لدى كاتبها.
الزمن في “أنروكسيا” استفاد إلى أقصى درجة من المرونة التي تتيحها تقنية تيار الوعي:
نقلات زمنية حرة تتناوب بين الماضي والحاضر، الذاكرة تستدعي الوقائع بحسب الحالة الذهنية لبطلة الرواية (سلامة) ومزاجها، والأفكار التي تعصف برأسها.
لا ترتيب خطي للزمن، ومع ذلك، لم نشعر نحن القراء بفقدان فهم ما يجري، بل على العكس؛ تداعي الذكريات يفسر الوضع الراهن ويكثف المعنى ويضاعف تأويله الرمزي.
تدور أحداث الرواية في مستشفى متخصص، تتلقى فيه (سلامة) علاجًا طبيًا صارمًا لإنقاذها من الموت جوعًا. الأنروكسي قد يصل إلى مرحلة حرجة ويرفض تقبل الطعام، وحينئذٍ لا مناص من التدخل الطبي وتغذيته بواسطة الأنابيب، وهو ما حدث مع (سلامة).
في هذه المرحلة المتدهورة، حيث تصبح الحياة عبئًا ثقيلًا، واستمرارها عذابًا لا يطاق، يفكر معظم الأنروكسيين في الانتحار، لذا يخضعون لمراقبة طبية صارمة، وتحت حراسة تقيد تحركاتهم، وإبعاد الأدوات الحادة عن متناول أيديهم.
وقد يظل المريض شهورًا يتلقى العلاج ثم يخرج، وقد يظل لسنوات ولا يطلق سراحه.
كيف يصاب المرء بهذا المرض؟ بعض المصادر الطبية ترجح أن السبب له علاقة بالجينات.. وهذا الرأي العلمي تخالفه مؤلفة الرواية، فهي ترى أن الأنروكسيا مرض نفسي، سببه حدث مؤلم تعرض له المريض في طفولته. على سبيل المثال فإن بطلة روايتها (سلامة) تعرضت لموقف في طفولتها أدى إلى أصابتها بالأنروكسيا:
“شتمتني وهي تسحبني من جديلتي من تحت الكلبة حميروه. كان لحليبها طعم غريب غير مستساغ، مع هذا كنت عازمة على تذوقه.. أحكمت وضع أصابعها ككماشة على فكي لأفتح فمي، سبابة يدها الأخرى تجرح البلعوم بطرف أصبعها الطويل.. أدخلته في جوفي لأتقيأ حليب حميروه. انساب السائل مختلطًا ببقايا الغداء، سعلت كثيرًا وكلما وقع نظري على القيء شعرت بأنني سأتقيأ أمعائي”ص7.
ذلك الموقف الذي تبعه الضرب والتشهير أمام بقية أفراد العائلة، هو الميكروب الذي التقطه دماغ الطفلة، وجعلها تعاني مدى الحياة من الأنروكسيا.
أمضت (سلامة) بضعة أشهر في المستشفى، وبدا أنها استجابت للتعافي التدريجي. لكن هذا التحسن لم يكن بفضل أدوية الاكتئاب، ولكن مصدره نزيل شاب في المستشفى، والده إماراتي وأمه أمريكية، سماه أبوه مبارك، وسمته أمه مارك، وسبب ثنائية الاسم يعود إلى أن والديه منفصلان عن بعضهما جسديًا وروحيًا.. والأمر لا يحتاج إلى مزيد من الشرح لنفهم أن هذا الشاب قد مرَّ بطفولة ممزقة بين عالمين وثقافتين فأصيب بالأنروكسيا. وكما يقال الطيور على أشكالها تقع، فقد حدث انجذاب عاطفي بين (سلامة) وهذا الشاب الناحل، الذي نصفه عربي ونصفه أمريكي – ونلاحظ هنا استعارة تشير إلى مصفوفة من المعاني المضمرة- وصارا مقربين من بعضهما، وكل واحد يحكي للآخر قصته وأسراره الشخصية. إلا أن (سلامة) عادت صحتها للانتكاس، وسيطرت عليها الرغبة في الانتحار بعد خروج وليفها مبارك من المستشفى ونكثه بوعوده في التواصل معها.
قبل أن يتم إيداع (سلامة) في المستشفى، كانت طالبة جامعية تدرس البيولوجيا.. واختيارها لهذا العلم جاء من اهتمامها بالحيوانات منذ صغرها.
ابتكرت المؤلفة حيلة سردية مشوقة وبالغة الطرافة لربط مبنى الرواية بمعنى الشخصية، وهو ترابط عضوي، يشكل لوحة سردية بديعة متقنة التكوين.
وتتكون الرواية من واحد وعشرين فصلًا، كل فصل مرتبط بحيوان معين، وهناك ربط بين سلوك شخصيات الرواية وسلوك ذلك الحيوان.. وجاءت الفصول كما يلي:
“أنثى وحيد القرن، الجداجد الصامتة، أرانب أرانب، الغزال ذو الذنب الأبيض، فتحي أبو الذقن الأحمر، هازجة القصب الصياحة، سلامة السلحفاة، حية الشجر البنية، حنان الخرفان، ملكة النمل، دببة قطبية، قرش مقطوع الزعنفة، خنازير عصابية، يعاسيب وحيدة، الكنغر الأعسر، قنافذ بلا أشواك، عش طائر الوقواق، أسماك ونوارس، فهود جائعة، تحت جناح النسر، جموح الحيتان”.
إسقاط بارع وتلميحات ذكية إلى أفعال وممارسات بشرية، تتجنب الروائية ذكرها صراحة – قد تحتاج إلى صفحات وصفحات- وتكتفي بهذه الإشارات لفهم المغزى، فالمجتمع المحافظ لا يتقبل أن تنطق الأنثى بخلجات نفسها، فكان هذا الحل الذي رفع كثيرًا من الأثر الجمالي للرواية.
بعد أن أتممتُ قراءة رواية “أنروكسيا” تذكرتُ امرأة من أقاربي كانت تعاني من الهزال والإغماءات المتكررة، لم يكن أحد يعلم أنها مريضة.. الآن صرت أنظر إليها وإلى أمثالها من الأنروكسيين بنظرة مختلفة.. وأدركت أنهم أناس مثلنا، ولكنهم حساسون جدًا ولا يمتلكون جلدًا سميكًا لتحمل الأذى النفسي الذي لا محالة سيترصدهم في كل منعطف من منعطفات الحياة.
* روائي وكاتب يمني


تعليقات