Accessibility links

وجدي الأهدل*

في قلب حدائق الألعاب الترفيهية توجد قاعة المرايا المشوِّهة، وهي مرايا محدبة ومقعرة تُوضع بزوايا معينة فيظهر فيها الزوار بأشكال مضحكة.

رواية عبيد بو ملحه “أطياف على كراسٍ متحركة” الصادرة حديثًا (2026) عن دار بو ملحه للنشر والتوزيع، تكاد تفعل الشيء نفسه، فيشعر القارئ الجائل في صفحاتها (200 صفحة من القطع المتوسط) وكأنه ينظر في تلك المرايا، فتارة يبدو الواقع مفلطحًا وتارة يبدو ممطوطًا، من خلال عينيّ الراوي الموصوم بالجنون، بطل الرواية الذي لا نظفر باسمه الحقيقي، فنحن -أيّ القراء- ملزمون بتلقي رؤيته للعالم ومستوى تفكيره وأحكامه على الآخرين من حوله، وفهمه للحياة كما يحياها بخبرته الذاتية.

إن هذا التكنيك السردي الذي يتوخى تشويه الوقائع وتذرية زمن وقوعها؛ ومضاعفة الزوايا لحكيها على شكل شذرات؛ هو سيف ذو حدين:

قد لا يفهم القارئ ما يدور فينصرف عن متابعة القراءة، أو قد يتحمس ويشعر بالتحدي لفهم مغزى ما يرمي إليه بطل الرواية، وهل هو ذو عاهة أو يدَّعي الجنون.

المؤكد أن عبيد بو ملحه قد وُفِّقَ في معماره الفني، فشخصية بطل الرواية تتناسب كليًا مع توظيف أسلوب المونتاج السردي؛ فلأنه شخص لا يفكر بطريقة منطقية، جاء تذكره للماضي على شكل قفزات من حدث لآخر، ومن ذكرى قديمة لذكرى أقدم، أو العكس، فالأزمنة متداخلة فيما بينها، والذكريات تسيل مختلطة ببعضها.

تخلَّى الروائي عن الزمن الكرونولوجي مضطرًا، بهدف التعمية وخلط الأوراق، لقول ما لا يقال، ولكن المثير للدهشة أن هذا الإجراء الاحترازي هو الذي رفع “أطياف على كراسٍ متحركة” من المراوحة في خانة التصنيف كرواية تقليدية، إلى حجز مكانة متقدمة كرواية حداثية بامتياز.. وهنا ندلي بملاحظة مهمة: يجب أن نفرق بين الروائي الذي يختار كتابة روايته بأسلوب تيار الوعي للتباهي بأنه حداثي، وبين الروائي الذي يجد في صدره حرجًا من كشف أوراقه، فيجد في تيار الوعي مخرجًا فنيًا لتمرير ما يريد قوله.

الرواية مكتوبة بضمير المتكلم، وهي من أولها إلى آخرها هذيان مفكك لبطل الرواية، الذي تعرض لحادث مروري في طفولته وأصيب إصابات بليغة.. هل تعرض دماغه للعطب؟ لعله كذلك، ويبدو أنه ظل لفترة عاجزًا عن المشي ويتنقل بكرسي متحرك، وهذا ما يفسر السلوك غير السوي والأوهام المتضخمة عن الذات -عقدة جنون العظمة- والظن أنه يرى خيالات لا يراها غيره: أشباح أموات على كراسٍ متحركة يحومون حوله ويمضي وقته بصحبتهم، توهم القداسة واجتراح المعجزات وإتيان خوارق للطبيعة، ونحو ذلك مما ألفنا سماعه من القدماء عن الدراويش والأولياء الصالحين المشهورين بكراماتهم، فبطل الرواية يرى نفسه مخلوقًا فوق طبيعي، يتبارك الناس به.

لكل إنسان هدف في الحياة، وهدف بطل الرواية هو أن يكتب الروايات! إن الرَضَّة التي أصيب بها في رأسه جعلته يُغيّر أهدافه في الحياة على نحو جذري، فلم يعد همه في الحياة أن يدرس ويتخرج من الجامعة ثم يجد وظيفة ويتزوج وينجب ويُكَوِّن عائلة.. بل صار له هدف مركزي لا يصدقه عاقل، ولذلك نظر إليه المجتمع كمجنون.

أعجبتني كثيرًا هذه الاستعارة: المبرر الذي جعل بطل الرواية يرغب بشدة في كتابة الروايات هو أنه تعرض لضربة في رأسه وهو طفل.

سواءً كانت هذه الضربة في الرأس حقيقة أو مجازا، فإن الأبوين والأقارب والجيران والأصدقاء في المدرسة والمجتمع برمته يحكمون بخفة العقل على الفتى الذي يقرر أن يصير في المستقبل أديبًا.. والشواهد على ذلك لا تحصى، ولعل أشدها رعبًا ما تعرض له الروائي البرازيلي باولو كويلو الذي جاهر برغبته في ترك الدراسة والتفرغ للأدب في صباه، فأودعه والداه في مصحة للأمراض النفسية والعقلية.

في مطار الخرطوم تم توقيف بطل الرواية لسلوك مشبوه بدر منه، واحتجز للتحقيق معه:

“أخبرته بأنني مجرد كاتب. ضحكوا بأعلى أصواتهم. روائي. سقطوا على الأرض، ولم يتوقفوا عن الضحك، فتوقفت أنفاسهم، وماتوا كلهم، نعم ماتوا كلهم، حينها خرجت من غرفة التحقيق، وقد كان المذيع في التلفاز يسقط على الأرض أيضا. كل من كان في المطار فارق الحياة، أما في الخارج فقد كانت الجثث تملأ الشوارع”ص200.

بالنسبة لبطل الرواية هو يرى أن الوظيفة بمثابة كرسي متحرك تقيد حريته وموهبته الإبداعية، ولكن إلحاح أمه جعله يتنازل عن طموحه في قصر حياته على الكتابة ولا شيء غيرها، فقبل بوظيفة في منظمة للإغاثة ارتأى أنها قد تزوده بمواد للكتابة:

“قرأت إعلانا في إحدى الصحف للوظيفة، تقدمت، من أجل الكتابة والأفكار، فقبلوني. تم إيفادي إلى عدد من الدورات، لقد كنت جاهزا، أنتظر كارثة”ص170.

سافر إلى العديد من البلدان منها اليمن والسودان، ولكنه لم يستمر في وظيفته، واشتغل في وظائف أخرى، وفي كلها لم يكن لائقًا للعمل وتم طرده.

يعزم بطل الرواية على حسم أمره: فإما أن يكون روائيًا أو لا يكون! يقوم برحلة لم يسبق لمواطن إماراتي أن قام بها، ولا تخطر ببال أحد أصلًا، بهدف جمع مادة خام لروايته، فيسافر إلى باكستان، ويحصل على هوية مزورة باسم (سليم إسماعيل) ويدعي أنه من منطقة بلوشستان، ويلتقي بعمال باكستانيين يرغبون في السفر إلى الإمارات بطريقة غير قانونية -تهريب- ويدفعون المال اللازم للمهربين، وتنطلق رحلتهم من بلوشستان إلى جهابهار في إيران برًا، ثم إلى شناص العمانية بحرًا، ومنها برًا إلى داخل الإمارات..

يستكشف بطل الرواية الطرق والممرات البرية والبحرية التي يستخدمها المهربون لتهريب البشر.

رواية إنسانية تتحدث عن أحلام البشر في حياة أفضل، أولئك الذين يعبرون حدود الدول والقارات بحثًا عن الأمل، وقلم الروائي هنا ينهض بواجبه في التضامن معهم.

* روائي وكاتب يمني

تعليقات