Accessibility links

جيمس زغبي*

عند النظر إلى الشرق الأوسط اليوم، من المهم إدراك أن إسرائيل خارجة عن السيطرة تمامًا، ولا توجد إرادة لكبح جماحها.
وكان ينبغي إدراك ذلك في يوليو 2024، ففي الأيام الأخيرة لإدارة جو بايدن، عندما زار نتنياهو واشنطن لإلقاء خطاب أمام جلسة مشتركة للكونجرس. كانت حكومته قد ارتكبت بالفعل جرائم في غزة ولبنان. كما أنها قتلت المرشد الأعلى والعديد من قيادات إيران السياسية والعلمية.
وفي خطابه أمام الكونجرس، تفاخر نتنياهو بأن هذا السلوك يثبت أن إسرائيل أصبحت القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، تقاتل وتنتصر على سبع جبهات. 
وخلال الإدارات الأميركية الخمس الماضية، كان هذا النمط من السلوك تحديدًا، سواء أكان دعمًا صريحًا للجرائم الإسرائيلية أم صمتًا وجبنًا في مواجهتها، هو ما عزز إفلات إسرائيل من العقاب. وقد وصف الرئيس الأسبق كلينتون نتنياهو بأنه شخص «مستحيل»، واعتبره أوباما «غير قابل للإصلاح»، بل إن ترامب نفسه عبر عن إحباطه من الرئيس الإسرائيلي. لكن لم يتخذ أحد خطوات حاسمة لردعه.
وفي أعقاب «اتفاقية» الرئيس ترامب غير المكتملة، التي سعت لإنهاء حربه مع إيران، التزم نتنياهو الصمت. وترك الانتقادات لوزراء حكومته وقادة المعارضة. وكان توبيخ نائب الرئيس جيه دي فانس للمنتقدين الإسرائيليين لافتًا، لكنه سيعتبر مجرد كلمات إذ إنه لم يتضمن أي تهديد بتغييرات جدية في السياسة الأميركية.
وفي تلك المرحلة، تجدر الإشارة إلى أن إفلات إسرائيل من العقاب وشعورها المتوسع بالمهمة ليسا مشكلة نتنياهو وحده، بل هما مشكلة إسرائيلية أعمق تجلت تاريخيًا بطريقتين.
وخلال عهدي كلينتون وأوباما، عندما أرادت الولايات المتحدة أن يتوقف الإسرائيليون عن التوسع الاستيطاني أو الالتزام ببنود الاتفاقيات التي تم انتهاكها، ترددت إدارتهما في اتخاذ إجراءات صارمة ضد إسرائيل، أو حتى استخدام لهجة أشد، خشية أن يشجع ذلك «اليمين» المتشدد في إسرائيل ويؤدي إلى نتائج عكسية. لذلك، لم تُشن أي حملات قمع على الحكومات الإسرائيلية بقيادة إسحاق رابين، وشيمون بيريز، وإيهود باراك، وإيهود أولمرت، ونفتالي بينيت.
وهذا النهج المتساهل المراعي بشكل مفرط للقادة الإسرائيليين، بدافع الخوف من المشاكل التي قد يواجهونها من المتشددين إذا ما أُجبروا على اتخاذ قرارات صعبة، لا يُظهر أبدًا تجاه القادة الفلسطينيين أو العرب الآخرين. 
ولا تكتفي أحزاب المعارضة التي ستنافس نتنياهو في الانتخابات المقبلة بعدم معارضة سياساته الحربية، بل تتظاهر الآن بأنها أكثر تشددًا منه فيما يتعلق بحروب إسرائيل ومعاملتها للفلسطينيين. بل أدان جميع المرشحين الرئيسيين لرئاسة حكومة إسرائيلية ما بعد نتنياهو بشدة موافقته على وقف إطلاق النار في غزة ولبنان. كما نددوا جميعًا بما وصفوه بإظهاره الخضوع لترامب، مما يجعل إسرائيل تبدو وكأنها «دولة تابعة» ومهينة. وانتقد الجميع اتفاقية السلام الأميركية الإيرانية التي أُعلن عنها مؤخرًا، حيث هاجم الحزب «الديمقراطي»، الذي يصف نفسه بأنه «ليبرالي»، الاتفاقية بشدة، مُشيرًا إلى أنها تُهدد «بمحو جميع المكاسب التي حققتها إسرائيل» في حربها على إيران.

ويجب أن يُوضح كل ذلك لليبراليين في الولايات المتحدة أن مشكلة الشرق الأوسط اليوم لا تقتصر على نتنياهو وحده. فهزيمته لن تعني عودة الأوضاع إلى طبيعتها، بل هي ثقافة سياسية بأكملها انحرفت عن مسارها. والسبيل الوحيد للتغيير هو أن نجعل إسرائيل تدفع ثمنًا بوقف المساعدات والتعاون السياسي والعسكري، ما يُحدث صدمة تُجبر البلاد على إعادة تقييم أوضاعها السياسية. 

* رئيس المعهد العربي الأميركي – واشنطن

تعليقات