Accessibility links

بقلم/ عادل العدلاني *

إن الخطاب الذي يختزل الأمم في شعاراتٍ أو يتخذ منها كبش فداء، سرعان ما ينهار تحت وطأة الحقائق. فعندما كرّر دونالد ترامب مؤخراً وصفه لبعض الدول بأنها دولٌ “غير جديرة” أو “متهالكة” أو “غير صالحة” لتكون مصدراً للمهاجرين، فإنه لم يكن يصف شعوباً يعرفها، بل كان يرسم صوراً كاريكاتوريةً يحتاج هو إليها. تعكس لغةٌ كهذه ثقافةً قائمةً على الشعارات لا على دراسة التاريخ؛ فهي تعبيرٌ عن عقليةٍ لم تدرك يوماً أن الازدراء ليس سوى بديلٍ رخيصٍ للفهم. أما قصة الأمريكيين اليمنيين، التي تتجلى في سجلات الأعمال، وفي أروقة المصانع، وفي ذلك الوقار الهادئ الذي يرافق الانتماء القائم على الدستور- فهي تروي حقيقةً مغايرةً تماماً.

تبدأ أكثر الردود استناداً إلى أرقام وإحصاءات دقيقة من المتاجر الصغيرة المنتشرة في الأحياء. فوفقاً للسفارة الأمريكية في اليمن، يمتلك الأمريكيون من أصول يمنية ما يصل إلى 50 في المئة من متاجر البقالة في مدينة نيويورك -بما في ذلك تلك الموجودة في بروكلين- حيث تُقدَّر أعداد المتاجر التي يملكها يمنيون بما يتراوح بين 4000 و6000 متجر، من أصل نحو 10 آلاف متجر في المدينة بأكملها. ولا تُعد هذه المتاجر مشاريع هامشية؛ بل هي ركائز اقتصادية في أحياء تعتمد عليها لتوفير الاحتياجات اليومية، وخلق فرص العمل، وتشكيل ذلك العقد الاجتماعي غير الرسمي الذي يجعل الحياة في المدينة ممكنة ومقبولة. وقد نجحت “رابطة التجار الأمريكيين اليمنيين” في تنظيم هؤلاء الرياديين وتحويلهم إلى قوة قادرة على التحرك الجماعي؛ وهو ما تجلى في إغلاق المتاجر على مستوى المدينة عام 2017 احتجاجاً على قرار حظر دخول مواطني دول إسلامية معينة (المعروف بـ “حظر المسلمين”). وحين يضع ترامب اليمن ضمن قائمة الدول التي يراها -في نظره- أقل من أن تُحترم، فإنه بذلك يهين أصول الأشخاص أنفسهم الذين يملؤون رفوف المتاجر في مدينته.

لكن مساهمة الأمريكيين من أصول يمنية في الصناعة الأمريكية تسبق ظهور متاجر البقالة الصغيرة (التي يُطلق عليها “بوديغا”) بنحو قرن من الزمان. ففي أوائل القرن العشرين، سعى هنري فورد بنشاط إلى توظيف عمال يمنيين للعمل في مصانعه؛ إذ أرسل مندوبين إلى الخارج، وأسس مجتمعاً في ولاية ميشيغان لا يزال قائماً حتى يومنا هذا. لقد أرسل فورد بالفعل أشخاصاً لاستقطاب أفراد من المجتمع العربي -بمن فيهم أمريكيون من أصول عربية- للعمل في قطاع صناعة السيارات، فاتحاً بذلك أبواب الفرص أمامهم في اليمن ولبنان، ومؤكداً لهم أن بإمكانهم كسب أجور مجزية في أمريكا. وقد انخرط هؤلاء العمال في المجتمع الأمريكي، وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ منه، كما قدموا إسهامات هائلة للقوة الاقتصادية في تلك المنطقة. وحين يختزل خطاب دونالد ترامب اليمن في كونه مصدراً لأشخاص “غير مرغوب فيهم”، فإنه يتجاهل حقيقة أن الصناعة الأمريكية طرقت يوماً ما أبواب اليمن، وطلبت من أبنائه المشاركة في بناء أكثر الآلات رمزيةً في تاريخ البلاد.

إن هذا الجهل بالتاريخ ليس مجرد تصرفٍ يفتقر إلى اللياقة، بل هو خطأٌ جوهري في التصنيف. فموقف ترامب الرافض يشبه تصرف رجلٍ يُعطى مفتاحاً لمكتبة، فيشتكي لأن المفتاح لا يفتح مكباً للنفايات؛ فهو لا يرى إلا ما يعجز عن قراءته. فاليمن هو موطن مدينة شبام، “مانهاتن الصحراء”، وهي موقعٌ مدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وتضم أبراجاً مبنية من الطوب الطيني صمدت لقرون. وهي أرض ملكة سبأ، ومهد تجارة البخور القديمة، وموطن مدينة صنعاء القديمة التي ظلت مأهولة بالسكان دون انقطاع لأكثر من ألفي عام. وحين زار جورج بوش الأب مدينة صنعاء عام 1986 بصفته نائباً للرئيس، أشار لاحقاً إلى “التاريخ الغني للمدينة القديمة” و”الترحيب الحار الذي تلقيناه من الشعب اليمني”. وفي كلمة ألقاها في البيت الأبيض عام 1990، نوّه بوش بوجود “أكثر من 40 ألف مهاجر من أصول يمنية استقروا هنا في الولايات المتحدة”، معرباً عن أمله في أن تواصل العلاقات بين البلدين “الازدهار والنمو”. أما جيمي كارتر، الذي انبهر بمدينة شبام عام 1993، فقد عبّر -عبر مصوره اليمني المرافق- عن دهشته قائلاً: “إننا نسير داخل متحفٍ عظيم؛ فاليمن إحدى عجائب الدنيا”، كما قال للقادة اليمنيين: “لديكم بلدٌ لا مثيل له”. لم تكن هذه مجرد عبارات دبلوماسية جوفاء، بل كانت انطباعات رجالٍ زاروا البلاد وأدركوا قيمتها التراثية؛ وهو تراثٌ لا يجد له مكاناً في القاموس اللغوي الذي يستخدمه ترامب.

إن البعد الدستوري لهذه الحجة ليس مجرد إضافة شكلية؛ فبند “الحماية المتساوية” في التعديل الرابع عشر للدستور، وبند “الإجراءات القانونية السليمة” في التعديل الخامس، يضمنان ألا يُحرم أي شخص من الحماية المتساوية بموجب القانون على أساس أصله القومي. وحين يعمد زعيم سياسي إلى استهداف المهاجرين من دول بعينها بالحط من قدرهم، فإنه بذلك يهاجم مبدأً راسخاً؛ وهو أن الانتماء إلى أمريكا يُحدد بناءً على المساهمة الشخصية والسمات الفردية، لا بناءً على صدفة المولد أو تحيزات أصحاب النفوذ.

لقد انخرط الأمريكيون من أصول يمنية في صفوف الجيش الأمريكي، وأسسوا شركاتهم الخاصة، وبرزوا في مختلف المهن. فالدكتورة عائشة جمعان، وهي خبيرة في علم الأوبئة والصحة العامة، أمضت أكثر من عقد من الزمن في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) في الولايات المتحدة، حيث عملت على الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، قبل أن تتولى إدارة مشروع لقاح فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) في منظمة “باث” (PATH)؛ كما أسست لاحقاً “مؤسسة الإغاثة وإعادة الإعمار في اليمن” (Yemen Relief and Reconstruction Foundation) للتصدي للأزمة الإنسانية في وطنها الأم. ومن جانب آخر، يمتلك عمار العلي، وهو مهندس ومخترع أمريكي من أصول يمنية يقيم في كاليفورنيا، براءات اختراع متعددة في مجالات تشمل الأجهزة التشخيصية الطبية، والمستشعرات الحيوية، وأنظمة المراقبة عن بُعد، وهي مساهمات ملموسة في مسيرة الابتكار التكنولوجي الأمريكي. إن هذه السير الذاتية لا تخص أشخاصاً يمكن لترامب أن يتجاهلهم أو ينتقص من شأنهم؛ بل هي قصص أفراد جعلوا أمريكا أكثر قدرة، وأكثر ازدهاراً، وأكثر إنسانية.

يشترك أصحاب متاجر البقالة في بروكلين، وعمال شركة “فورد” في ديربورن، وباحثو الصحة العامة في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) في إرثٍ مشترك؛ ألا وهو تقاليد العمل التي لا تنتظر إذناً من أحد. لقد بنوا إنجازاتهم -رفاً تلو الآخر، وخط إنتاج تلو الآخر، وبراءة اختراع تلو الأخرى- دون أن يسألوا عما إذا كان الرئيس يبارك أصولهم. إن استخفاف ترامب ليس حجةً، بل هو اعترافٌ صادرٌ عن رجلٍ ظنَّ المكتبةَ مكبّاً للنفايات، لأنه لم يتعلَّم القراءة قط. صحيحٌ أن الدستور لا يلزمه بالقراءة، لكنه يمنع بوضوحٍ أن يتحول جهله إلى قانون. لقد قدَّم الأمريكيون من أصولٍ يمنية ردَّهم بالفعل، وهو ردٌّ لا يمكن لأي شعارٍ أن يمحوه أو يطويه.

* عادل العدلاني حاصل على درجة الدكتوراه في الإدارة العامة من جامعة ويسترن ميشيغان.

تعليقات