Accessibility links

وجدي الأهدل*

شارك الصديقان العزيزان محمد سلطان اليوسفي ورفيق العكوري في ندوة موسيقية بالقاهرة، ضمن مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية، وهو المهرجان الأكبر عربيًا، ويقام خلال الفترة 20-30 أكتوبر سنويا، وجاءت دورة هذا العام الرابعة والثلاثين تحمل عنوان “أمير الغناء العربي هاني شاكر” تكريمًا للمطرب الراحل الذي وافته المنية في مايو الماضي 2026.

عدد الحفلات الغنائية 24 حفلًا، ويحييها 91 فنانا من مصر ومختلف الدول العربية، ومع الأسف لم يشارك أيّ فنان من اليمن، وربما هذا يدل على تراجع فن الغناء في بلادنا بسبب الحرب.

المؤتمر العلمي المصاحب للمهرجان استمر أربعة أيام (21-24 أكتوبر) وتجاوز عدد المشاركين من مصر والعالم العربي الذين قدموا أوراقًا الأربعين باحثًا، وكما أسلفنا كان لليمن هنا حضور بارز بورقتين بحثيتين متميزتين، الورقة الأولى قدمها محمد سلطان اليوسفي وعنوانها “اتجاهات الكتابة عن الموسيقى والغناء في اليمن”، والورقة الثانية قدمها رفيق العكوري وعنوانها “الإعلانات التجارية في الصحف اليمنية ودلالاتها على الحياة الموسيقية 1935- 1955”.

جاءت مشاركتهما المهمة في اليوم الثاني للمؤتمر، الجلسة الثانية، ضمن محور “إسهامات رائدة في مسيرة التناول الإعلامي”، أدارت الجلسة د. رجاء موسى من السودان، وشارك فيها بالإضافة إلى اليوسفي والعكوري كل من: د. حسين الأنصاري من العراق، وهالة شعيب من مصر، ود. دعاء كامل من مصر.

أثبت محمد سلطان اليوسفي جدارته كباحث موسيقي أكاديمي، يمتلك أدواته النقدية والمعرفية، وهو تخصص نادر جدًا في اليمن، فالنقاد في مجال الأدب كثيرون، ولكن في مجال الموسيقى قد نعدهم على أصابع اليد الواحدة.

ركز محمد سلطان اليوسفي في ورقته على أوائل من كتبوا عن الموسيقى اليمنية في القرن الماضي:

“يهدف البحث إلى:

  • تسليط الضوء على أهم الإصدارات الكتابية التي تناولت الموسيقى والغناء في اليمن، وتتبع تطور تلك الكتابات.
  • دراسة اتجاهات الكتابة عن الموسيقى اليمنية وتحليل طبيعة تلك الإصدارات ومساراتها.
  • إبراز أهمية هذه الإصدارات في النقد والتأريخ والتوثيق للموسيقى اليمنية، وكيف يمكن الاستفادة منها في تقديم دراسات نقدية متخصصة في نقد الموسيقى اليمنية”ص3.

والكتب التي تناولها اليوسفي بالتحليل هي: رسالة الدكتوراه للفنان عبد الرب إدريس المعنونة بـ”تقييم نقدي للأغنية اليمنية”، التي تقدم بها للمعهد العالي للموسيقى العربية بالقاهرة عام 1988 (الرسالة متاحة للباحثين فقط، لأن عبد الرب إدريس لم ينشرها مع الأسف).

والكتاب الثاني “تيارات تجديد الغناء في اليمن.. رؤية نقدية” للباحث جابر علي أحمد، الصادر عن مركز عبادي بصنعاء 2009. بالإضافة إلى كتابين آخرين للمؤلف نفسه.

والكتاب الثالث “أغانينا الشعبية” للفنان محمد مرشد ناجي، الصادر في عدن 1959، ثم أعيد طبعه في صنعاء عن مركز عبادي عام 1992.

والكتاب الرابع “شعر الغناء الصنعاني” للدكتور محمد عبده غانم، والكتاب في الأصل رسالة دكتوراه، وصدرت طبعته الأولى عام 1973، بمقدمة للدكتور شوقي ضيف.

لقد نالت ورقة محمد سلطان اليوسفي استحسان الحضور، وهم نخبة الموسيقيين الأكاديميين في العالم العربي، وآمل أن ينشر ورقته في مجلة عربية مرموقة، لتكون متاحة لأكبر عدد من القراء.

درس محمد سلطان اليوسفي النقد الفني في المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون بالقاهرة، وصدر له كتاب “الهجرة والاغتراب في الغناء اليمني”، كما أصدر ديوانيّ شعر هما: “صمت الأضواء” و”قبضة من أثر الحرب”. وأتوقع له خلال سنوات قليلة أن يتصدر النقد الموسيقي في اليمن، وهو أهلٌ لذلك، من حيث التأهيل العلمي، ومن حيث اشتغاله الدؤوب على تخصصه.

تتبع رفيق العكوري في ورقته البحثية الإعلانات التجارية في الصحف اليمنية الصادرة خلال الأعوام (1935-1955)، وركز على دراسة وتحليل الإعلانات المتعلقة بالموسيقى والفن:

“ومن خلال الإعلانات الصحفية يمكن تتبع عدد من العناصر المرتبطة بهذه السوق، من بينها أنواع الجراموفونات والعلامات التجارية التي كانت متوفرة، وأسماء الشركات المنتجة للأسطوانات، والأغاني والفنانين الذين جرى الترويج لتسجيلاتهم، إضافة إلى الأماكن التي كانت تُباع فيها هذه المنتجات. كما تسمح الإعلانات بملاحظة التحولات في الذوق الغنائي الذي كان يقدم للجمهور، وانتقال الإعلانات من الترويج للتسجيلات العربية الوافدة إلى الترويج للتسجيلات اليمنية المحلية”ص14.

البحث الذي قدمه العكوري أفادني كثيرًا على الصعيد الشخصي، وأضاف لي معلومات لم أكن أعرفها، وبأسلوبه المشوق في العرض والطرح جذب انتباه الحضور، وأمتعنا بالجولة التاريخية التي أخذنا إليها في مضمار الفن في النصف الأول من القرن العشرين.

لا أدري أين سينشر رفيق العكوري ورقته، ولكنني أنصح محبي الفن الموسيقي اليمني بمطالعتها متى صارت متاحة للقراءة.

رفيق العكوري باحث وخبير وطني في مجال التراث الثقافي اليمني، وهو مدير مركز التراث الموسيقي اليمني. حاصل على دبلوم عالي من المعهد العالي للفنون الشعبية، وله العديد من الأبحاث والمقالات المتعلقة بمجال تخصصه. والورقة البحثية التي قدمها للمؤتمر جديرة بالتطوير والتأصيل، ويتوقع أن تكون نواة لعشرات الأبحاث ورسائل الماجستير والدكتوراه، ومرجعًا أساسيًا عن تاريخ الموسيقى في اليمن، ولكن نقص الموارد والتمويل يعوق هذا الباحث الأصيل عن متابعة مشروعه البحثي ليشمل حلقات زمنية أوسع، وإن كتابًا مرجعيًا كهذا الأولى به أن يحمل اسم رفيق العكوري، لكن بيئة العمل اليمنية لا تساعد.. ولذلك لا أستبعد أن تتاح الفرصة لباحث أجنبي، مدعوم من بلده، استكمال جهود العكوري والبناء عليها وإصدار كتاب أكثر شمولًا وتنوعًا.

وهناك نقطة مهمة جدًا لابد أن نشير إليها: جميع الأبحاث المقبولة في مؤتمر الموسيقى العربية بالقاهرة محكمة، وهناك لجنة علمية من كبار الأكاديميين هي التي تقر الأبحاث المقبولة، فليس يتأتى لأيّ أحد أن يصعد المنبر ويُلقي كلامًا سطحيًا أو خاليًا من القيمة العلمية، ولذا وجب علينا الاعتزاز بالباحثين اليمنيين محمد سلطان اليوسفي ورفيق العكوري اللذين تمكنا من تشريف اسم بلادهما في محفل ثقافي مرموق، وأن نقدرهما حق قدرهما.

النقطة الأخرى التي أختم بها هي الأمل الشخصي أن تخصص البيوت التجارية اليمنية الكبرى منحًا مالية سخية للباحثين الموسيقيين اليمنيين، المشهود لهم بالكفاءة والمقدرة العلمية، لتأليف الكتب عن الموسيقى اليمنية والأغنية اليمنية، فالتراث الموسيقي اليمني عظيم، ومن المؤلم أن نتفرج عليه يتعرض للإهمال والضياع والتشكيك في أصله وأصالته.

* روائي يمني

تعليقات