Accessibility links

وجدي الأهدل*

يؤكد فيلم (القصص) أن لدى السينما المصرية ما تقدمه من مفاجآت فنية جميلة. (القصص) يمكن تصنيفه ضمن فئة أفلام الكوميديا الراقية، بكل معنى الكلمة، والكوميديا هنا تخلقها مواقف درامية جادة، وتصدر عن شخصيات تؤدي دورها بتلقائية، لا تتبذَّل في الأداء ولا تلجأ إلى التهريج، فالحدث نفسه يمكن أن يحمل وجهتي نظر مختلفتين، والشخصية المصرية الأصيلة الصميمة تفضل التعامل مع مجريات الحياة وتجاربها بضحكة حلوة وروح قدرية مرحة.

بدأ العرض التجاري للفيلم في دور السينما بمصر منذ يوليو الفائت، وما يزال عرضه مستمرًا، وبعد رفعه سيكون متاحًا للمشاهدة في القنوات الفضائية.. ربما في بواكير 2027.

بطل الفيلم (أحمد) شاب موهوب في العزف على البيانو، ويحلم بالسفر إلى أوروبا لدراسة الموسيقا، يجد في مجلة أجنبية بابًا للتراسل مع أصدقاء يرغبون في التعارف، فيجرب حظه ويراسل فتاة نمساوية، ودون توقع يصله رد منها، وتنشأ بينهما صداقة عميقة. يحصل على منحة لدراسة الموسيقا في النمسا ويقابل اليزابيث وجهًا لوجه، وتتوثق عرى المحبة بينهما، يتقدم للزواج منها، ولكن والد إليزابيث يرفضه ويقف ضد زواجهما.

تتكون أسرة (أحمد) من والده راغب وهو موظف حكومي في وزارة الزراعة، وأمه فيروز ربة منزل، وثلاثة أشقاء، أقربهم إليه شقيقه التوءم حسن. بالإضافة إلى حلقة مقربة من الأقارب والجيران، الذين يترددون بصفة يومية على منزل العائلة.

ينشأ الموقف الكوميدي في الفيلم من التقاء ثقافتين متناقضتين؛ ثقافة الشرق ممثلة في أحمد وأسرته، وثقافة الغرب ممثلة في اليزابيث وعائلتها. وثمة مواقف أخرى يجيد السيناريست استغلالها لانتزاع الضحكات من فم التراجيديا المسيطرة على الفيلم.

أقوى نقاط القوة الدرامية في الفيلم هي ربط التاريخ العائلي بالتاريخ المصري، وهو ارتباط عضوي، فما يحدث للعائلة الكبرى (الوطن) يعكس نفسه على العائلة الصغرى، فالتحولات الدرامية وتطور الشخصيات متوافقان مع مجرى تيار التاريخ، وتسري عليهما قوانين القدر العظيم الذي يعيد تشكيل الأمة صعودًا وهبوطًا في دورات زمنية متتابعة، والعلاقة بينهما منطقية وسببية، وهذا ما يرفع الفيلم إلى مصاف الأفلام الإنسانية العميقة الأثر في النفس.

تدور أحداث الفيلم في الفترة التاريخية ما بين 1967- 1984، وهي حقبة تاريخية شهدت حربين وثلاثة رؤساء جمهورية وتغيرات اجتماعية وسياسية واقتصادية عاصفة ومثيرة، وتقلبات كبرى في مدى زمني محدود نسبيًا، من أقصى القومية الاشتراكية إلى أقصى الرأسمالية البراغماتية، ومن الوظيفة الحكومية التي تضمن موقعًا آمنًا في الطبقة الوسطى، إلى تراجع موقع الموظف الحكومي في السلم الاجتماعي.. وأمثال هذه المقولات النظرية وسواها مما يضيق المجال عن ذكره، عكسها الفيلم بصريًا في مشاهده مستخدمًا العديد من الأدوات الفنية، وبجانب تغذية الجانب البصري بكل ما هو موحي بالحقبة الزمنية التي يتطرق إليها الفيلم، فإن السيناريست قد استخدم أيضًا أدوات بلاغية مستعارة من الأدب، ليوصل رسائل عديدة في عدة اتجاهات في المشهد الواحد أحيانًا، وهذه براعة تحسب للمخرج أبوبكر شوقي، الذي كتب سيناريو الفيلم وقام بإخراجه.

ومن ذلك مثلًا، مشهد لشجار بين أشقاء أحمد وشبان مشاغبين من الحارة، يراهم أحمد من الشباك فيسارع بالنزول ويتصدى للفتوة الذي يقود الشجار، لكن هذا الشاب القوي يتغلب على أحمد ويبطحه أرضًا ويكاد يشج رأسه بحجر، لكن تنقذه في اللحظة الأخيرة طائرات حربية إسرائيلية تكسر حاجز الصوت فوقهم، فيتفرقون وينجو أحمد، وحدث هذا الشجار بالضبط يوم 5 يونيو 1967. يبدو المشهد بريئًا، لكن إذا نظرنا إليه من زاوية مختلفة -لأن المصادفات دون مغزى في الدراما غير مقبولة- قد نفهم أن الفتوة المعتدي يمثل النظام البوليسي لجمال عبد الناصر، وأحمد بطل الفيلم يمثل المواطن المصري العادي، وأن العدوان الإسرائيلي في يونيو 1967 هو الذي أوقف هذا النظام البوليسي عند حده.. أو كما يقول المثل “رب ضارة نافعة”! هذا باب من أبواب التأويل التي يمكن أن ينفتح عليها فيلم القصص، وهي بالمناسبة أبواب كثيرة، وكلها جديرة بالتأمل والتقاط الإيحاءات والرموز التي يزخر بها الفيلم.

لا يقول الفيلم كلمة واحدة تقريرية.. لا يذم الحقبة الناصرية ولا يمدحها، لكن السيناريو يراكم العلامات والإشارات، ليستنتج المشاهد ويحكم بنفسه.

تحضر مشاهدة مباريات كرة القدم كعنصر أساسي في نسبة عالية من مشاهد الفيلم، بوصفها الشغل الشاغل لجميع أفراد الأسرة والجيران، باستثناء أحمد غير المهتم بالرياضة، وهذه إشارة سلبية ضمنية، المشاهد العابر لن يلاحظها، لكن انشغال الشعب المصري -والحقيقة كل شعوب العالم كذلك- بمشاهدة كرة القدم هو في حد ذاته ممارسة سلبية للرياضة، والشاهد أن هذه الشعوب تشاهد ولا تشارك في التغيير.. إنها مجرد متفرج سلبي على الحدث السياسي الكبير الذي يجري أمامها. الإدانة مضمرة، لا كلمات مباشرة، لكن التركيز مع الكاميرا وماذا تريد يوصلنا إلى هذا الموقف الفكري.

من العوامل التي ساعدت المخرج أبوبكر شوقي على إتقان رائعته السينمائية:

قصة الفيلم مستوحاة من قصة والده ووالدته! فوالده مصري وأمه نمساوية، تعارفا بواسطة مراسلات بريدية ثم تزوجا، وعاشا في مصر. أيّ أن الفيلم هو سيرة شبه ذاتية.

لعب دور أحمد الممثل (أمير المصري)، ودور اليزابيث الممثلة النمساوية (فاليري باتشنر)، ودور الأم فيروز (نيللي كريم)، ودور الأب راغب (أحمد كمال) الذي تألق كثيرًا في أداء دوره، وفي دور والد اليزابيث الممثل النمساوي (يوهانس كريش)، وآخرين كلهم على درجة عالية من الاحترافية في الأداء.

كلما تذكرت انطباعي الأول عند رؤية سحنة (يوهانش كريش) ينتابني الضحك، لأن ملامحه لم تكن توحي بأنه نمساوي أو مصري، وبدا لي للوهلة الأولى أنه يمني! ربما السبب أنه يحمل شبهًا من شخصية معروفة في الوسط الثقافي اليمني.

الممثل المصري البريطاني (أمير المصري) بطل فيلم القصص قد يكون معروفًا على نطاق واسع لدى اليمنيين، لأنه لعب دور نجم الملاكمة اليمني البرنس نسيم حميد كشميم في الفيلم العالمي “عملاق”.

أُنتج الفيلم عام 2025، بتمويل من مؤسسات في مصر وفرنسا والسويد وبلجيكا والنمسا. فاز بجائزة مهرجان ليالي تالين السوداء السينمائي (إستونيا)، وجائزة التانيت الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان قرطاج (تونس)، كما رشحته مصر ليمثلها في جائزة الأوسكار، فئة أفضل فيلم دولي، الدورة 99، وستعلن النتائج في الحفل المقرر في مارس 2027.. ونأمل أن ينال الجائزة.

حقق فيلم القصص إيرادات متواضعة من دور السينما في مصر، بينما حقق إيرادات أعلى عندما عرض في فرنسا، واحتل المركز الخامس في شباك التذاكر. وهذه مفارقة تستحق التأمل.

المراجعات النقدية العربية والأجنبية، جاءت في معظمها إيجابية، تطرق بعضها إلى الإيقاع البطيء للفيلم، الحبكة غير المتماسكة، ونحو ذلك من الملاحظات الفوقية التي تنحاز للذوق الأمريكي في بناء الفيلم السينمائي، هوليوود التي تُقدس الإيقاع السريع والحبكة المشيدة بالمسطرة.

فيلم القصص حبكته لا نهائية كالزمن، وقصصه متشابكة وسائلة في بعضها كما في الحياة الحقيقية، وبطء الإيقاع -وهو محسوب وليس مبالغًا فيه- يساهم في تكوين ثروة من التفاصيل التي تمنح المشاهد المحب للسينما متعة مضاعفة.

* روائي وكاتب مصري

تعليقات