وجدي الأهدل*
للأدب خصائص عديدة، وأولها أنه أدائي وليس تقريريًا.
يُفترض عندما أقرأ النص الأدبي أن أشعر وكأنني أتفرج على مسرحية، أرى الشخوص يتحركون أمامي، وأنا حاضر على مسافة غير بعيدة عنهم، أراقب ما يجري في التو واللحظة، فأنا بمعنى من المعاني شاهد، لا أحد أخبرني عن (الحدث)، بل أنا كنت موجودًا معهم، ويمكنني الإدلاء بشهادتي.
أما النص الإنشائي، الكتابة الأدنى حظًا من القيمة الأدبية، فهي أن أشعر وكأنني أتفرج على نشرة الأخبار..
إذا كُتب السرد بأسلوب نشرة الأخبار، فإن حاسة السمع فقط هي التي تتفاعل لاستيعاب الخبر، والقارئ لن يبني أيّ عالم خيالي في ذهنه.. والسبب أن أسلوب المؤلف تقريري.
إذا أتى السرد أدائيًا – مسرحيًا، فإن القارئ ستنشط عنده حاسة البصر بالإضافة إلى حاسة السمع، فإذا به يرى بعين خياله إيماءات الشخصيات والتعابير التي تكسو وجوههم، ولغتهم الجسدية، ويسمع داخل رأسه صوت حواراتهم الداخلية، فكأنه سافر بفكره من الحجرة التي هو فيها إلى العالم الخيالي الذي أوجده المؤلف.
إذا كان القارئ يستخدم حاسة السمع فقط للتفاعل مع القصة، ولا يندمج، ولا يبني عالماً خياليًا، فالخطأ ليس من القارئ، مهما تدنت قدرته على التخيل، بل الخطأ من المؤلف.
على سبيل توضيح الفارق بين السرد الأدائي والسرد الإنشائي، يمكننا أن نقارن مثلًا بين طالب في الصف الرابع الابتدائي يطلب منه المعلم كتابة واجب عن (حب الأم)، فماذا نتوقع منه؟ بلا شك سيكتب مادة إنشائية تخلو من الخيال، ومع ذلك إن أجاد الإنشاء فسيعطيه المعلم علامة عالية.
لكن ماذا لو طلبنا من الأدباء أن يكتبوا نصًا عن (حب الأم)؟ هؤلاء الذين يفترض أنهم أرباب الملكات الخيالية، ولديهم خبرة وإلمام واسع بتقنيات السرد.. أيعقل أن يكتب أحدهم سردًا إنشائيًا مشابهًا لما يكتبه طالب في الصف الرابع الابتدائي؟! إن من يقع في مثل هذه المثلبة ينبغي أن يتوقف فورًا عن الكتابة، ويخصص أعوامًا من عمره لقراءة الروايات العالية الجودة.
هل يمكن أن توجد نصوص أدبية فيها أجزاء أدائية وأجزاء تقريرية؟ الجواب نعم. وكل الروائيين من الدرجة الأولى يعيدون كتابة نصوصهم المرة تلو المرة لاستئصال تلك الأعشاب الضارة من حقولهم.
حتى أعظم الروائيين في العالم يقعون في هذه الحفرة، ولكن لأنهم ماهرون في الكتابة، ومثابرون أيضًا، يقومون بتحويل الأجزاء التقريرية إلى أدائية، فتختفي هذه الحفر الشوهاء، ويمضي القراء على طريق معبدة مستوية خالية من العيوب.
قد يَزِلُّ قلم المؤلف المبتدئ فيكتب جملة من نوع: “طه معروف في حارته بالكرم”.. هذه جملة تقريرية قيمتها الدرامية صفر. صحيح أن المؤلف يود إخباري شيئًا ما عن هذه الشخصية، ولكن أسلوبه الأدبي في إخباري بهذه المعلومة بدائي، ولا يقنعني، أسلوب أدبي ركيك. وفي كل الحالات سيمر القارئ على هذه الجملة الخبرية مرور الكرام ولن يتفاعل معها.
فما هو الحل؟ كيف يقدم الروائي المتمكن من فنه هذه المعلومة للقارئ؟ الحل أن يضع طه في موقف درامي يستنتج منه القارئ أنه شخص كريم. ولن يحتاج المؤلف في هذه الحالة لاستخدام الكلمة التقريرية (الكرم) من الأساس.
عندما يتحول (كرم) طه من خبر إلى أداء، سيتفاعل القارئ مع الشخصية، خصوصًا إذا تمكن المؤلف من كتابة موقف زاخر بالأحاسيس وفيه تجسيد قوي لصفة (الكرم).
هناك فارق ملموس في المهارة الأدبية بين الأديب الذي يتحدث عن الشخصية، والأديب الذي يريني الشخصية كما هي دون تدخل منه.
الأسلوب الأدبي الأدائي يكسر الحاجز ويسرد (الحال- الوضع- الموقف) من الداخل، بينما الأسلوب التقريري يعجز عن كسر الحاجز، فيصف (الحال- الوضع- الموقف) من الخارج.. الأول شاهد، والثاني سمع بما جرى وأخبرنا.
الأسلوب الأدائي يجعلنا نشعر أننا متورطون مع المؤلف في الموقف الذي يكتب عنه، وربما نشعر بالتوتر وتسارع في نبضات القلب!
الأسلوب التقريري يفصلنا شعوريًا عن الموقف، يقيم جدارًا بيننا نحن القراء وشخصيات العمل، فنكتفي بمتابعة فاترة ومشاعر خامدة.
الأسلوب الأدائي هو الذي يجعل الشخصية تحيا في وجدان القارئ لأمد لا يعلم مدته إلا الله بعد أن يغلق الكتاب ويضعه على الرف.
وأما الأسلوب التقريري فهو يحكم منذ البداية على شخصيات العمل بالموت، حتى أثناء القراءة، فإذا انتهى منها القارئ لم يعلق منها شيء بذاكرته.
إن مبدأ (أرني لا تخبرني) هو أول مبدأ يجب أن يتقنه من غايته أن يصير مؤلفًا للأدب.
بدون إدراك هذا الفرق الدقيق بين السرد الأدائي والسرد التقريري، فإن الممسك بالقلم سيتخبط طويلًا في متاهة، ولن يهتدي إلى المسار الصحيح.
يقول الناقد الأمريكي ج. هيليس ميلر في كتابه (عن الأدب):
“إن كل جملة من جمل العمل الأدبي حلقة في سلسلة من الجمل الأدائية التي تفتح -شيئًا فشيئًا- عالماً خياليًا أمام عينيّ القارئ، ويبدأ ذلك من الجملة الافتتاحية، والكلمات هي ما يجعل ذلك العالم متاحًا للقارئ، فهي تخلق وفي نفس الوقت تكشف ذلك العالم من خلال الإيماءات اللفظية التي لا تنفك تتكرر وتمتد وتمتد”ص62.
إذا تمكن المؤلف من كتابة الجملة الافتتاحية بأسلوب أدائي، ثم تابع الكتابة على المنوال ذاته حتى آخر صفحة، فإن هذه أولى إرهاصات نجاح العمل وارتقائه إلى مرتبة الأدب.
* روائي وكاتب يمني


تعليقات