Accessibility links

جيمس زغبي*

ردًا على الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر، سارعت إدارة جورج بوش إلى تطبيق سياسات داخلية وخارجية كانت لها عواقب وخيمة على الولايات المتحدة والعالم. ومررت الإدارة تشريعات واسعة النطاق، اقترنت بأوامر تنفيذية ومذكرات تحت عنوان «الأمن القومي»، أدت عمليًا إلى تقويض نصف الحقوق التي تكفلها «وثيقة الحقوق» الأميركي، ومحو 50 عامًا من الجهود الرامية إلى تعزيز الحقوق والحريات المدنية في الولايات المتحدة. كذلك أسهمت الخطوات التي اتُخذت لتبرير غزوات أفغانستان والعراق واحتلالهما ومشروعات «بناء الدولة» فيهما في إضعاف دور الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي «ناتو»، وساهمت في تفكيك منظومات الدبلوماسية والحقوق والقانون التي أنشأها المجتمع الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وكانت بوادر الهجوم على الحقوق والحريات تلوح في الأفق حتى قبل أحداث 11 سبتمبر، إذ وُضعت خطط «سرية» بدأت في عهد ريجان واستمرت خلال إدارة كلينتون، تهدف إلى اعتقال «الأجانب» أو احتجازهم أو ترحيلهم دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة. وبسبب المعارضة الداخلية، كانت الإدارات السابقة تتردد في تنفيذ تلك الخطط علنًا. لكن في ظل صدمة البلاد عقب الهجمات الإرهابية، أتيحت الفرصة لإدارة بوش لتمنح أجهزة إنفاذ القانون علنًا مجموعة من الأدوات القمعية التي كانت تسعى إليها.

وقد أقدمت الإدارة على ذلك وهي تدرك أن أي معارضة داخلية أو حزبية ستكون محدودة، نظرًا لحجم الصدمة الهائلة التي خلفتها أحداث 11 سبتمبر. وفي النهاية، أُقرت التشريعات التي دعمتها إدارة بوش بسهولة في الكونجرس، ولم يعارض مشروع القانون سوى سيناتور واحد.

كما قوبلت تدابير الإدارة بمعارضة محدودة، وهي تدابير شملت استخدام التنميط العرقي والإثني، وحرمان المهاجرين من الإجراءات القانونية الواجبة، وإجراء عمليات تفتيش ومراقبة دون مذكرات قضائية، واستخدام أساليب الإيقاع بالأفراد المستضعفين، وتطبيق مجموعة من الإجراءات المكلفة والتدخلية في المطارات، وهي ممارسات ثبت عدم فعاليتها تمامًا في حماية الأمن القومي. وإذا كانت صدمة الهجمات قد جعلت الرأي العام أكثر استعدادًا لقبول قوانين وبرامج جديدة تضحي بحقوق الآخرين، فإنها خلقت أيضًا شعورًا بالخوف مما قد يحدث لاحقًا. فقد غزت أميركا دولاً أخرى حول العالم وقصفتها وخاضت حروبًا فيها، لكن منذ واقعة «بيرل هاربر»، قبل أكثر من ستة عقود، لم تتعرض الأراضي الأميركية نفسها لهجوم.

وأدى ذلك إلى شعور عميق بالهشاشة. وأراد الناس معرفة: «من هؤلاء الذين ارتكبوا هذه الجرائم؟» و«لماذا فعلوا هذا بنا؟» و«ماذا ينبغي علينا فعله الآن للرد؟» وبعد فترة وجيزة من الهجمات، قبلت دعوة من مجلس العلاقات الخارجية للمشاركة في مجموعة دراسة تشكلت في أعقاب 11 سبتمبر لمناقشة هذه الأسئلة المقلقة وتقديم توصيات إلى صناع القرار، ولا سيما بشأن الرسالة التي ينبغي لأميركا أن توجهها إلى العالم في تلك اللحظة. وكانت المجموعة التي جرى تشكيلها متنوعة وتضم الحزبين الرئيسيين، وضمت مشرعين ودبلوماسيين سابقين، ومسؤولين عسكريين وحكوميين، و«خبراء» في شؤون الشرق الأوسط. وخلال الأشهر التالية، اجتمعنا عدة مرات حول طاولة اجتماعات في وسط واشنطن العاصمة.

ورغم أن الكثيرين منا كانت لديهم تساؤلات ومخاوف، إلا أنه كان لافتًا للنظر أن مجموعة أساسية من المشاركين جاءت ولديها أجندة واضحة ومُبيتة. ولم يكن غبار الأبراج قد انقشع بعد، ولم تكن الجمرات قد خمدت في موقع البرجين المحترقين، ومع ذلك كانت لدى فئة من أعضاء «مجموعة الدراسة» إجابات جاهزة بالفعل. فقد جادلوا بأن أميركا تعرضت للهجوم لأنها كانت تُعتبر دولة متهاونة وضعيفة، إذ رأى الإرهابيون ذلك الضعف واستغلوه.

ورأوا أن الحل يكمن في إظهار أميركا لقوتها عبر توجيه ضربة ساحقة، ليدرك أعداؤها عواقب مهاجمتها مرة أخرى. وكانوا قد استقروا بالفعل على هدفهم المفضل: العراق. فقد كان صدام حسين زعيمًا لا يعرف الرحمة، ارتكب جرائم بحق شعبه وجيرانه، ولذا اعتُبر خصمًا مناسبًا لا يثير جدلاً. واللافت أنه في تلك المرحلة المبكرة، لم يكن «الصقور المؤيدون للحرب» قد اختلقوا بعدُ المبررات التي ساقوها لاحقًا لتبرير الحرب التي سعوا إليها بشدة، فلم تكن هناك آنذاك أي مزاعم بأن صدام يرعى تنظيم «القاعدة» أو أنه يمتلك «أسلحة دمار شامل»، إذ ظهرت تلك الادعاءات في وقت لاحق.

في البداية، كان المبرر الوحيد الذي ساقوه هو أن أميركا بحاجة إلى استعراض قوي ومُدوٍ للقوة، لبثْ الرعب في قلوب أولئك الذين قد تراودهم فكرة مهاجمتها مجددًا.

وكانت المجموعة التي طرحت هذه الآراء داخل مجموعة الدراسة جزءًا من حركة أيديولوجية أكبر بكثير من «المحافظين الجدد»، الذين كانوا يزدادون نفوذًا داخل الأوساط «الجمهورية». فقد كانوا أصحاب أيديولوجيا تتقاطع منظومتها الفكرية مع الأصولية المسيحية أكثر مما تتقاطع مع الفكر «الجمهوري» التقليدي. وكانوا يرون العالم ساحة صراع كوني بين الخير والشر. وكانت أميركا، بالطبع، قوة الخير في نظرهم. وكان الشر يتمثل في الاتحاد السوفييتي، لكنه حل محله الآن التطرف العربي أو الإسلامي. وكان من الضروري أن تواصل قوى الخير صراعها بلا هوادة وفي حرب لا نهاية لها ضد الشر، لاستئصاله وسحقه.

ولم يكن هناك مجال لأي مساومة أو حلول وسط. ورغم أن بوش لم يكن يتبنى في البداية رؤيتهم للعالم، فإن صدمة 11 سبتمبر دفعت المحافظين الجدد ليصبحوا القوة المهيمنة في صياغة سياسات إدارته. وخلال الأشهر والسنوات التالية، اتخذت إدارة بوش قرارات عكست نفوذهم. وكانت التشريعات القمعية والبرامج المناهضة للعرب والمسلمين جزءًا من ذلك، وكذلك حربا أفغانستان والعراق واحتلالهما. وكانت تكاليف هاتين الحربين سيئتي التخطيط وعواقبهما هائلة، من حيث الأرواح المفقودة والموارد المالية المستنزفة والمكانة الدولية المتراجعة. وبجانب مقتل مئات الآلاف من العراقيين والأفغان، لقي 7 آلاف من أفراد الجيش الأميركي حتفهم. وبينما حاولت «البنتاجون» في عهد بوش إقناع الكونجرس بأن الحرب لن تكلف سوى بضعة مليارات من الدولارات، تُقدر تكلفتها الآن بما بين 6 و7 تريليونات دولار.

ونتيجة لاندفاع الولايات المتحدة بشكل أحادي نحو الحرب، وإهانتها حلفاء رفضوا الانضمام إليها، وسوء إدارتها للصراعين، تراجعت مكانة الولايات المتحدة  عالميًا بشكل حاد.

لقد ألحقت هذه السياسات، التي تلت أحداث 11 سبتمبر، أضرارًا جسيمة خلال سنوات حكم بوش، إلا أن تبعاتها لا تزال قائمة ومستمرة، ونظرًا لعدم وضع حد حاسم لها من قُبل الإدارات اللاحقة، فقد شكلت هذه السياسات الأساس الذي قامت عليه التجاوزات في السياسات الخارجية والداخلية لإدارة ترامب، والتي نواجهها اليوم.

* رئيس المعهد العربي الأميركي – واشنطن

تعليقات