عبدالله الصعفاني*
لم يشغلني في حياتي كلها موضوع عام كما شغلتني حكاية الطبيب المصري ضياء العوضي الذي كانت نهايته داخل غرفة إقامته في أحد فنادق دبي بالإمارات.
* ولستُ هنا في وارد الحكم على تصوراته العلمية حول منع الأدوية بكافة أنواعها، والاكتفاء بالتغذية العلاجية على طريقته “نظام الطيبات” لمواجهة أمراض العصر، ودعواته الحاسمة لأنْ نقطع علاقتنا مع عناصر التطبيب والتغذية بالشكل الذي مارسناه مع الأمراض المستعصية تحديدًا..!
* آراء الدكتور العوضي أثارت جدلاً واسعًا تسبب في شطبه من نقابة الأطباء المصرية وإغلاق عيادته.. لكن أفكاره انتشرت في وعي كثير من متابعيه كما تنتشر النار في الهشيم.

* لقد فتح الدكتور ضياء العوضي أبواب معركة مفتوحة مع الممسكين بتلابيب اقتصاد العلاج والدواء، كما صدم المستهلكين أيضًا وهو يضيف الدجاج والبيض والخضروات الورقية إلى قائمة الممنوعات، وأولها على الإطلاق الدقيق الأبيض.. والمعنى العام لنظريته هو أن أمراضنا هي حصاد حرفي لِما نأكله، وأنه لا غنىً عن فهم المسموح والممنوع بشكل صارم.
* استبعد الدكتور العوضي كل غذاء يُتعِبُ مَن يتناوله، مفصلاً المسموح والممنوع بلغة حاسمة، ليبدأ الكثيرون بشكل متسارع بمشاركة وتبادل تجاربهم مع نظامه، حتى دون أن يلتقوا به، اكتفاءً بما أسماه “نظام الطيبات” ليصل غضب المعارضين له درجة أن اتهموه بالجنون، وحاولوا تشويه سمعته، حيًا وبعد أن ماااااات.
* وحتى بعد أن أسفرت معركته المفتوحة تجاه الأدوية وبعض الأغذية عن قيام نقابة الأطباء المصرية بسحب عضويته فيها، استمر في الوصول إلى الناس بصورة لافتة، بل وقلب الطاولة على معظم ما هو سائد، فما هو “نظام الطيبات” الذي أشرتُ هنا إلى بعض منه ليس من باب الحسم أو التأييد المطلق، وإنما من باب توضيح الصورة.. ويبقى الإنسان طبيب نفسه في موضوع الاهتداء إلى ما ينفعه وما يضره..؟
* من مصادر الإثارة والجدل في نظام الدكتور العوضي أنه ليس طبيب أعشاب أو الطب البديل، وما أكثرهم، وإنما لأنه كان متفوقًا في مشواره التعليمي والأكاديمي.
نشأ في أسرة أكاديمية.. والده أستاذ بكلية الزراعة.. شقيقه أستاذ في جراحة الأوعية الدموية.
* وقبل وبعد ذلك تخرّج الدكتور ضياء العوضي من كلية الطب بجامعة عين شمس بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، ثم تخصص في التخدير والعناية المركزة، وعلاج الألم.. تدرَّج أكاديميًا حتى صار الأستاذ المساعد لقسم العناية المركزة بجامعة عين شمس.. وانتقل بعدها إلى الطب الوقائي والمناعة والأورام.
* اختلفوا معه كثيرًا.. شطبوه من النقابة.. أغلقوا عيادته.. اتهموه بالجنون، ولكن استمر في الانتشار.. اتسعت أعداد من يستخدمون نظامه الغذائي ومن يسيرون على منهجه تجاه الأمراض المستعصية عن طريق التغذية العلاجية، لكنه ظل في نفس الموقف يرفض الاستسلام للموروث أو ممارسة الطب لإرضاء شركات السوق الدوائية ومئات مليارات صناعة الدواء.
* وإذا كان هناك من تفسير يبرر اهتمام الناس بنظام الدكتور ضياء العواضي الذي انتشر وهو حيًا وسينتشر أكثر بعد رحيله في ظروف ما تزال غامضة، فهو أن الكثيرين ضاقوا بكونهم يشكون من التعب والإرهاق وفقدان الطاقة، وعندما يخضعون أنفسهم للفحوصات تكون النتيجة ليس عندك مشكلة، فيما أنت تعاني.
* يقولون لك أنت تمام، وأنت تقول ولكن أنا مش تمام.. أنا أعاني.. حتى صار المرضى يتمنون من يكشف السبب.. وفيما يتزايد ظهور شهادات من عانوا واستفادوا، يشكو الكثيرون من أن الأدوية تخفف من العرض، لكنها تبقي على السبب فيستمر مسلسل علاجات حتى الموت.
* مع ذلك أتصور أنه لا ينبغي التسرع في الحكم على نظريات الدكتور العوضي في العلاج بالتغذية حتى لو ظهر بعضها صادمًا، وإنما التعاطي مع القضية بالكثير من التأني والتجريب المتدرج، والخروج بالمفيد من النتائج.
نعم، ما المانع أن نجرب الأخذ بما تيسر من الملاحظات.. وكل واحد وخراجه.
* إننا اليوم، حتى بعد رحيل الدكتور ضياء العوضي نعيش أمام انقلاب كامل الأركان على موروث علمي هائل بنظام التداوي بالغذاء من قِبَل باحثين عن أفكار تطبيبية جديدة تنهي معاناتهم مع أمراض مستعصية رغم اتساع روشتات الدواء.
* رحل الدكتور ضياء العوضي في ظروف غامضة يلحقها سؤال: فتِّش عن المستفيد من موته، وهو الذي قال في فيديو: لو قالوا لكم بأنني (انت..حرت) لا تصدقوا.. أنا (اتق..تلت) باللهجة المصرية.
* أما ما يستفزني اليوم، فهو أن الدكتور العوضي كان يطلب بإلحاح أن يتقدم كائن من كان لمناظرته وتفنيد منطقه بالنقد العلمي، فلم يتصدَّ أحد لمواجهته.. وعندما مات أو “انت..حروووه” خرج خصومة من تحت كل حجر.. ليهاجموه بلا رحمة..
رحمة الله تغشاه..
كاتب يمني *


تعليقات