عبدالله الصعفاني*
ما زلتُ أتذكَّر ذلك الهمجي البائس الذي جلس على رصيف شارع، أمام بوفية عصائر في مساكن الضباط في الهرم.. يوزع ابتسامات سامجة على “الرايحة والجاية” من الإناث في ثوب يغطي نصف فخذيه، ويمسك بين الحين والآخر بالقلافد بصورة مقززة.
* يومها، اقتربت منه وقلت له: يا جِنِّي.. اجلس سوى على كرسي البوفية وغطِّي الأمور.. فرَدَّ عليّ بصلف: مش هو عليك.. فواصلت طريقي نحو مخبز العيش البلدي.
* حينها تساءلت.. هل عندنا سفير أو حتى غفير في عمارة يوزع على اليمنيين المتواجدين في مصر بروتوكول توعية للزوار والمقيمين في مصر المحروسة، ويحدد ما يجوز وما لا يجوز من السلوك تحت عنوان “يا غريب كن أديب”.
* هل قال لهم أحد في مطار المغادرة أو مبنى السفارة: شوف يا أخي المواطن.. أنت لا تُمثل نفسك وإنما تُمثل بلدك وناسك.. ولكن لا حياة لمن تنادي في سفارات لا تهتم بالقول: أهل البيت أحق بالزبادي الدبلوماسي..!
* وعذرًا لمن يفضل منطق الهروب من مناقشة الأوجاع أو ذر المزيد من الملح على الجرح.. الموضوع يستاهل استمرار النقاش فيه، حتى لو زاد الماء على الطحين.. ومن لم يعجبه كلامي يعتبره من شظايا فترات النزق الرمضاني..!
* الموضوع مهمٌّ، ويتصل تحديدًا باليمني في مصر المحروسة، أفضل الحواضن المفضلة لشريحة كبيرة من الشعب اليمني.. أتحدث هنا عن يمنيين مرضى ومرافقين، وسائحين، ومستثمرين، وأصحاب مواقف سياسية صحيحة أو خاطئة، وصل ببعضهم الحال حد اعتقادهم بصعوبة العودة إلى اليمن بسبب تقييم حقيقي، أو مبالغ فيه لسلامتهم عند العودة.
* مبعث استذكار حكاية المرافق إياه الذي رد على نصيحتي له أن يتغطى بالقول: “مش هو عليك” أو “مش شغلك” هو ما حدث في عيد الفطر من اشتباكات بين يمنيين ومصريين في شارع فيصل على خلفية سد جزء من شارع 20 في فيصل ببرعة جماعية لمعت فيها الجنابي فاستفزت حال مصريين، ليختلط حابل البرع بنابل الزحمة والشماريخ والدراجات النارية، وعبارة: احنا نروح القسم، ليصل الأمر حد تدخل الشرطة وحبس سبعة يمنيين وأربعة مصريين، واستعانة الطرفين بمحامين.
* وكما تابعنا.. لقد تحولت الحكاية إلى فرصة لناشطين وناشطات من مصر واليمن، وهات يا أوصاف واستخدام لمفردات مستفزة كاللاجئين، ومن أجل المتابعات واللايكات تداخل الهجوم والدفاع مع جلد الذات.. واشتبك الحق مع الباطل، واستوى المشغول بالعاطل.
* وحتى لا أفرط أنا الآخر في معالجة الجروح بالدمامل، سأحاول أن أختتم هذه الوقفة بنقاط مباشرة من باب تذكير الشطار في السفارات والمقيمين في شقق العمارات.
* صحيح أنت مقيم خارج بلدك وتدفع ضريبة الإقامة والسكن، والغذاء، والعلاج، والمواصلات والترفيه، ولست في حكم اللاجئ كما ردد بعض الناشطين والناشطات المصريين، ولكن ليس من لوازم إحساسك بأنك لست عالة على أحد أن تغلق شارعًا لتتمنطق برقصة أو برعة أو جنبية بصورة مستفزة لأبناء البلد على النحو الذي انتهى في قسم الشرطة في الطريق للنيابة والمحكمة.
* لا تبرروا بأنكم كنتم فقط تفرحون وتنشرون الزي الشعبي والفنون التراثية من الرقصات والبرعات، فهذه المهمة من اختصاص وزارات الثقافة والاعلام والسفارة والمركز الثقافي.. وإذا كانت الوزارات والسفارة وملحقاتهم مجرد هموم على القلوب.. ليكن الرقص والبرع منظمًا في قاعة لا تثير استفزازًا، ولا تُعبر عن همجية أو عشوائية أو استدعاء للقول “البرعة نائمة لا سامح الله من أيقظها..”.
* مهم جدًا أن يكون اليمني سواء كان “مقيمًا.. زائرًا.. مغتربًا.. مهاجرًا.. مستثمرًا.. باحثًا عن العلاج” على معرفة بأنه لا يمثل نفسه، وأنه يسيئ إلى بلده وإلى أهله وناسه، ويؤثر على سمعة ومصالح الغالبية المحترمة من المتواجدين خارج اليمن..!
* الشوارع العامة في الدنيا كلها لا تقبل اللا مبالاة، وترفض عدم الانضباط وسوء السلوك، خاصة عندما يفضي إلى احتكاك واشتباك أو صخب هستيري مدفوع بما يسمى “العدوى الجماعية” التي يبدأ فيها متهور بتصرفات غير مسؤولة، فيجد من يقلده ويحاكيه، ثم يكون ما كان من تدخل الشرطة المصرية، واشتعال وسائل التواصل الاجتماعي بالمسيء من الكلام الهابط الذي يسيء للعلاقة بين بلدين وشعبين تجمعهما روابط أخوية وأماني، أهم من الرقص، والبرع، والأغاني..!
* كل عام وجميعنا إلى احترام الذوق العام أقرب…!
* كاتب يمني


تعليقات