Accessibility links

وجدي الأهدل*

لفت انتباهي كتاب عنوانه “احرق بعد الكتابة” لمؤلفة بريطانية لم أسمع بها من قبل (شارون جونز)، وفي الغلاف رسم لعبة كبريت نصف مفتوحة ويبرز منها عود كبريت مشتعل.

أخذت الكتاب من الرف وتصفحته، يا للخيبة أغلب صفحاته شبه بيضاء! قلت في نفسي كان يمكن للمؤلفة أن تختزله في عشر صفحات وكفى. تركته ومضيت أبحث عن كتب أخرى تثير اهتمامي. لكن الكتاب ظل عنوانه يتردد في رأسي، عدت إليه مرة أخرى للنظر: المترجمة نيفين حلمي، منشورات الرمل، 2023. أيّ أنه حديث الإصدار نسبيًا. قلت في نفسي لن يُترجم كتاب إلى اللغة العربية إلا إذا كانت له ميزة ما.

في البيت أتممتُ قراءة صفحاته التسعين في نصف ساعة، كانت هذه قراءة استكشافية، فضولية، لكن بعد ذلك، كنت أعود للكتاب كل يوم تقريبًا وما زلت.

“احرق بعد الكتابة” كتاب فريد من نوعه، رغم أنه يصنف ضمن كتب التنمية البشرية -وسأقبل على مضضٍ بهذا التصنيف- فإن هذا الكتاب أبعد بكثير مما يبدو عليه في ظاهره.

كتاب شارون جونز يشتغل على إحياء فن كتابة اليوميات، وهو فن غير شائع في ثقافتنا العربية، لأسباب تتعلق بالتكتم وتوقي إفشاء أسرار الذات، بينما الثقافة الغربية تشجع الجميع سواءً كانوا من زمرة المثقفين أو من سواد المواطنين العاديين على كتابة يومياتهم، فهي وسيلة علاجية للتنفيس عن المشاعر المدفونة عميقًا تحت طبقات الوعي اللحظي، واستعادة ذكريات الماضي وتقييمها بعد أن كبرنا ونضجنا.

شارون جونز تصف في كتابها سلسلة متنوعة من التمارين، هي بمثابة وصفة ناجعة لفتح أدراج الذاكرة ومعاينة محتوياتها، بهدف نفض الغبار عن تاريخك الشخصي والنظر إليه بعين جديدة:

“هذه اليوميات هي الملف الأسود، الذي تخبئه بغرفة سرية في عالمك. أنت وحدك من سيطلع عليها. وهي المكان الذي يتيح لك التحدث عن حقيقتك بحرية، من دون أن تقلق من آراء الآخرين. إنها الحيز الوحيد في حياتك حيث يمكنك خلع جميع ما ترتديه من أقنعة.

هذه اليوميات هي حوار مطول معك، هي تجربة فكرية ثورية، أنت موضوعها ونتيجتها”ص4.

وبالفعل الكتاب يشبه حوارًا مطولًا بين الإنسان ونفسه، حوار دون وسيط، وكل ما هنالك أن شارون جونز تزودنا أو بالأحرى تُغششنا الأسئلة التي يُفترض أن نطرحها على أنفسنا من حين لآخر.

في تيار الحياة الجارف، ومع انشغالاتنا التي لا تنتهي، وانغماسنا في وسائل التواصل الاجتماعي ومشاهدة القنوات الفضائية، صرنا لا نجد فراغًا للحوار مع النفس، لتذكر الماضي وأخذ العبرة، ولفهم كيف وصلنا إلى ما صرنا عليه اليوم.

قد نجد في كتاب شارون جونز سطرًا واحدًا يحتاج من القارئ حولًا كاملًا للرد عليه.. لأن الذاكرة معبأة حتى سقفها بالأحداث والمشاعر والتفاصيل التي مررنا بها، ولكننا لم ننتبه إلى هذا المخزون المنسي، أو ربما المقفل بإحكام، لأن استعادة تلك الذكريات تثير فينا مشاعر الألم أو الغضب أو الندم.

في الثقافة الغربية يُعد دفتر اليوميات (المذكرات) غرضًا شخصيًا، له خصوصية لا يجوز انتهاكها، ويُحرم على الآخرين الاطلاع عليه.

ومع الأخذ في الاعتبار هذه التقاليد المرعية في الثقافة الغربية، فإن شارون جونز تدعو القراء الذين سيتجاوبون معها ويجيبون بصراحة تامة إلى إحراق أوراقهم، بل هذا هو شرطها الأول والميثاق الذي تعقده مع القارئ:

“لكن عندما تنتهي من كتابة تلك اليوميات، احرص على دفنها، أو إخفائها، أو وضعها في خزانة مغلقة، ثم اركض هاربًا.. أو يمكنك حرقها بعد كتابتها.

في مجتمع نشارك فيه كل شيء، تُخالف هذه اليوميات التيار السائد وتطلب منك، بأدب، ألا تشارك أيّ شيء”ص3.

فإذا كانت هذه نصيحة شارون جونز وهي المنحدرة من ثقافة توقر الدفتر الذي يدون فيه المرء أخص خصوصياته وتُحرم التلصص عليها، فكيف الحال بمن ينتمي إلى ثقافة الشرق حيث لا تراعى هذه التقاليد، بل ويعد التفتيش في أوراق الآخرين أمرًا جائزًا لا غضاضة فيه؟!

إن هذا يضع حاجزًا لا يستهان به إذا أراد الرجل أو المرأة أن يُفضفض عن نفسه على الورق.

ثمة مجازفة إذا أراد إنسان كتابة يومياته بصراحة تامة، والكشف عن مشاعره دون مواربة، أن يقول الحقيقة بينه وبين نفسه، أن يكون صادقًا كل الصدق دون ذرة كذب واحدة.

إن أول من سوف يصاب بالصدمة هو كاتبها نفسه! فما بالك بالآخرين الذين قد يكونون أطرافًا لهم حضورهم في تلك اليوميات.

إنها لتجربة شديدة الخطورة أن نُحضر قلمًا ودفترًا ونكشف ببساطة عن أدق أسرارنا.

عوامل كثيرة تحول دون تجرؤ الإنسان العربي على كتابة يومياته، لو نوى الاحتفاظ بها وألا يحرقها.. ولكن قد تكون هناك فائدة عظيمة إذا نحن كتبنا يومياتنا واحتفظنا بها، رغم أنها مخاطرة ولا شك.. مثلًا أن نجيب على أحد الأسئلة الواردة في الكتاب، ثم نحتفظ بالجواب، ثم في العام التالي نعيد طرح السؤال نفسه على أنفسنا مرة أخرى.. من المحتمل جدًا أن الإجابة ستكون مختلفة، وهذا الاختلاف في الجواب هو الذي يدل على ما يحدث حقًا في داخلنا.. لنأخذ كمثال هذا السؤال الذي يظهر في رأس إحدى الصفحات وتحته فراغ يشمل الصفحة كلها: “أشخاص لهم قيمة في حياتي”.

قد يكتب أحدنا خمسة أسماء، وقد يملأ آخر الصفحة كلها بعشرين اسمًا، أو يحتاج المزيد من الأوراق لإضافة أسماء العشرات من الأشخاص.. أو قد يفعلها أحدهم ويترك الصفحة خاوية.

بعد عام نعيد طرح السؤال على أنفسنا مرة أخرى، وثمة احتمال معقول أن تختفي بعض الأسماء، أو أن نضيف أسماءً جديدة.

إن الاسم الذي يختفي هو اسم ترك جرحًا في أنفسنا، وأما الاسم الذي انتمى للقائمة ولم يكن فيها سابقًا فهو نعمة حلت علينا، وهدية مباركة قد لا يجود الزمان بمثلها مرة أخرى.

* روائي وكاتب يمني

تعليقات