Accessibility links

إعلان
إعلان

فكري قاسم*

سمعت لأول مرة عن الإيميل، وعن استخداماته المذهلة، بوصفه أسرع وسيلة تواصل سحرية وجديدة، من زملائي في مؤسسة الجمهورية للصحافة والطباعة والنشر.

وأنا والله ما لي علم أيش هو هذا الإيميل بالضبط، ولا كيف يجي شكله، ولا كيف يستخدموه، ولا عندي أيّ معرفة حتى عن أهميته بالنسبة لي كصحفي مبتدئ.

واندهشت في حقيقة الحال من قوة هذا الاختراع العجيب الذي اختصر المسافات وتاريخ المراسلات والمكاتبات اليومية بين الناس، حول العالم، بنقرة زر واحدة ضيعت مستقبل ساعي البريد.

وما لفت نظري في الموضوع كله، أن زملائي في الصحيفة كانوا يخزنوا (يلوكوا القات) جنبي في مقيل استراحة المؤسسة، وأشوفهم كل يوم، بعد المغرب مباشرة، يتلفلفوا من جنبي واحد بعد واحد، ويغادروا من أماكنهم مستعجلين كما لو أن معاهم عمل مهم!

وكلما كنت أسأل أي واحد فيهم:

– فين رايح يا فلان؟

يقولي وكأنه رايح الأندلس:

– شاسير أفتح حقي الإيميل.

يوميًّا يتكرر هذا الأمر، وأنا الوحيد بينهم بلا إيميل، وحسيت بالأمية العصرية، وطَنَّنْت على حالي، ضجران من عيشتي، وقلت أكلم نفسي:

– مله كيف يا فكري؟ هذي مش عيشة.. كل أصحابك اخترجوا ووقعوا رجال وقد معاهم إيميلات، وأنت هاضاك أنت ولا اخترجت.. مابلّا قع رجال على نفسك واعمل لك إيميل.

ولم تدم طنانتي كثيرًا على أية حال.

أنشأ لي زميلي، رئيس قسم الكمبيوتر في الصحيفة، إيميل على الهوتميل، وكتب لي النيك نيم حقي مع كلمة السر في قصاصة ورق ناولها لي وأنا جالس جنبه أمام شاشة جهاز الكمبيوتر، وقال:

– خلاص هذا إيميلك جاهز.

شعرت حينها فقط بأني امتلكت مفتاح المخارجة من كل المحبطات، وبأني بدأت السير في الطريق الصحيح إلى المستقبل المأمول، وروَّحت البيت فرحان بالإنجاز العظيم، وأول ما فتحت لي أمي الباب، بشرتها على طول بالخبر السعيد، وقلت لها:

– باركي لي يا أماه، اليوم فتحت لي إيميل.

فرحت أمي بالخبر من فرحي به، وباركت لي من أعماق قلبها وهي مش دارية أيش هو هذا الإيميل، ولا أنا نفسي عندي الفكرة الكافية عنه لأشرح لها ما هو بالضبط، وما هي الفائدة منه.

وبدأت من بعد هاذاك اليوم تحديدًا، بوضع إيميلي في ذيل كل مقالاتي وموادي الصحفية التي أنشرها في الجرائد المحلية، وفي تصوري أن عملية التراسل الإلكتروني بين الناس تبدو شبيهة بمراسلات البريد العادي.

وكان أي واحد يسألني:

– معك إيميل؟ 

أرد عليه بكل فخر:

– أيواااه.

وبمجرد أن يقولي:

– هات لي إيميلك.

أفرح على طول، وأجيب له الإيميل مع كلمة السر! وفي اعتقادي أن كلمة السر لازم تكون معه أصلًا، وإلا كيف شيدخل إلى صندوق الوارد، ليطرح لي فيه الرسالة اللي يشتي يوصلها لحضرتي؟! أو هذا تحديدًا ما كنت أظنه.

في إحدى المرات طلب إيميلي واحد من الأصحاب اللي أنا مش مرتاح لهم أصلًا، وأعطيته الإيميل هكذا حاف جاف من دون كلمة السر، ومشيت من جنبه وأنا فرحان بالحركة اللي قمت بها، أقول لنفسي في الطريق:

– يستاهل.. عشان يتأدب في التعامل معي.. وعشان يعرف أن لي خصوصياتي اللي مش أي واحد ممكن يعرفها.

وفي الليل وأنا سهران بمقهى الإنترنت، اشتغلتني نفسي اللوامة، وأنبني ضميري عليه، وجلست أجلد نفسي على تصرفي ذاك، وأقول في خلدي:

– ليش عملت معه كذا يا فكري؟ ما يصلحش تحرجه هكذا حتى لو أنت ما ترتاح له، ما كان في داعي أبدًا لهذي الحركة البايخة.

وشعرت بسوء الصنيع، وقمت أتصل به هاذيك الساع لأعتذر منه، وأول ما جاوبني قلت له على طول:

– أنا آسف ياخي.. والله ما كان قصدي أتناذل معك لما طلبتني الإيميل، وهذي كلمة السر حقي سجلها عندك 123456.

وقبل أن أنهي المجبر معه، نَطَّت قهقهاته إلى أذني، من سماعة التلفون، وسمعته يضحك من جوادتي ومن غشامتي، وفهمت منه يومها على أية حال أنو محد يجيب كلمة السر مع الإيميل لأي شخص كان.

واظبت من بعد ذلك على السهر يوميًّا في مقهى الإنترنت، وكنت أخرج إليه من البيت كل يوم في الليل، وأعود بعد الفجر وأمي قلقة في انتظاري، ومش مرتاحة خالص لهذه العادة اللي عاملة لها قلق دائم.

ضاق حالها في أحد الأيام من استمرار خروجي إلى هذا المشوار اليومي الغريب، وسألتني بصوت قلق، بينما كنت أتهيأ للخروج في نفس الموعد من الليل:

– أين عتسير هذي الساع؟

– شاسير أفتح حقي الإيميل يا أماه.

رديت عليها باقتضاب، وقالت تسألني بصوت ضجر:

– مو من برميل هذا الذي تخرج تفتحه كل يوم هذي الساع وما ترجع إلا فجر؟

حاولت أفهمها أن اسمه “إيميل” مش “برميل”، وشرحت لها أيش فكرته، وليش أخرج له كل يوم في الليل، بمبررات واهية علّها تقتنع وتبطل تقلق وتخاف.

ولكن أمي كانت غشيمة أكثر مني، وعندها لخبطة دائمة في غالبية المسميات الجديدة على مسمعها، ولم تحفظ الاسم، وعلقت في رأسها كلمة البرميل نيابة عن الإيميل الذي أخرج أفتحه كل يوم في الليل.

وشافتني في يوم آخر وأنا خارج من البيت إلى نفس المشوار الليلي، وضاقت أكثر من عادتي هذه، وفقدت صبرها، وأمسكت بي عند الباب لحظة ذاك، وقالت تكلمني وهي في قلق كبير:

– أني قلبي مش مطمن لهذا البرميل.. وليش تخرج تفتحه إلا في الليل؟ ولمو ما تفتحه بالصبح؟

حاولت أطمنها بهُدار بسيط أن الإيميل مفتاح الرزق ومفتاح الذهاب إلى العصر، وقلت لها:

– من طلب العلا سهر الليالي يا أماه.

ولم تتقبل جملة واحدة من هُداري معها، وانفجرت في وجهي ضيقانة تصيح:

– أني ضبحت الصدق من هذي العيشة، وما أشتي ولا براميل.

وأمي أربعينية مسكينة متأرملة في بيت أبوها، مكافحة في سبيل معيشتي أنا وخواتي الصغار، وتخاف عليَّ من كل شيء، وتنتظر بالسِّراج تلك اللحظة التي ستتحسن فيها أحوالي، وتصير لي وظيفة أستطيع من خلالها أن أدفع إيجار بيت مستقل تسترد روحها فيه.

وأنا في هاذيك الأيام من أواخر العام 2002، كنت ما أزال موظف مستجد، متعاقد بالأجر اليومي كمحرر صحفي في مؤسسة الجمهورية، وأتقاضى في نهاية كل شهر مكافأة زهيدة جدًّا لا تكفي مطلقًا لتحقيق حلمها الكبير بالانتقال من بيت العائلة المزحوم بذرية الأخوال، إلى بيت مستقل يخارجها من جحيم المشاكل اليومية التي أرهقتها وأرهقتني معها في نفس الوقت.

حدث ذلك كله قبل أن أخرج من البيت في إحدى الليالي إلى مشواري المعتاد لمقهى الإنترنت، وأعثر في صندوق الوارد على رسالة مفرحة وصلتني من زميل لي، يعمل مديرًا لمكتب صحيفة عكاظ السعودية في العاصمة صنعاء، أخبرني فيها أن عكاظ تشتيني أكتب لها خمسة مقالات في الأسبوع مقابل خمسة آلاف ريال سعودي في الشهر.

اهتز قلبي فرحًا لذلك العرض المغري، وروَّحت أجري من مقهى الإنترنت إلى البيت مسرورًا بشدة، وبشرت أمي بالخبر السعيد، وقلت لها وأنا طاير من الفرح:

– خلاص ما ذلحين يا أماه سبرت لنا العيشة، ومن الشهر الواجي إن شاء الله بنستأجر بيت مستقل، ونعيش حياتنا فيه بلا منغصات وبلا مشاكل عائلية.

فرحت أمي بالخبر السعيد طبعًا، ودمعت عيونها من فرط السعادة، وأحست لأول مرة بفائدة البرميل، وتيقن لها ذلك عمليًّا بمرور الشهر الأول عندما استلمت أول مكافأة من جريدة عكاظ السعودية، وانتقلت بها مباشرة من بعد ذلك إلى بيت مستقل اكتريناه في الحارة، وفرشناه بشكل جيد، وسكنا فيه من دون هموم.

وخلال شهر واحد فقط، تعدل مزاج أمي كليًّا، وتغير انطباعها تمامًا عن مشوار الذهاب اليومي في الليل إلى مقهى الإنترنت، وتبخرت كل مخاوفها المقلقة، وأصبحت حريصة أكثر مني على الخروج إليه.

ولو حصل وشافتني في يوم، متقاعس عن الذهاب إلى مشوار الإيميل، تخاف على مستقبل الإيجار، وتقول لي:

– هيا ما لك اليوم ماعد خرجت تفتح البرميل؟

وتقدم لي نصائح الحفاظ على مصدر الدخل في كلام بسيط من أم حريصة على استمرار نعمة البرميل.

وإن رجعت من المقهى إلى البيت في أيّ يوم وأنا ضابح وطفشان ووجهي مقلوب، تواسيني من عند الباب، وتطبطب عليَّ بحنان أم ما تشتي ابنها يضجر من الشغل، وتحاول تصبرني على التعب اليومي وعلى سهر الليالي، وتقول لي بكل لطف:

– سهل سهل يا بني.. هي هكذا البرميل تشتي لها صبر.

رجعت في إحدى المرات من مقهى الإنترنت إلى البيت، وبمجرد ما وصلت تذكرت وعادنا عند الباب أني نسيت إيميلي مفتوح، وأني لم أغلق حسابي، ولم أطفئ جهاز الكمبيوتر اللي كنت جالس عليه في المقهى.

وعاودت الخروج من البيت مسرعًا، بينما كانت أمي قلقة تسألني:

– هيا ما لك؟ أين عتسير؟

رديت عليها وأنا مستعجل:

– نسيت إيميلي مفتوح يا أماه.. شاسير أقفله وأرجع.

شعرت أمي يومذاك، من شدة عجلي على الخروج للعودة السريعة إلى مقهى الانترنت، بأن الموضوع مهم جدًّا وغاية في الأهمية.

وظلت بانتظاري عند الباب، وبمجرد ما عدت ثانية إلى البيت، وفتحت الباب لأدخل سألتني بحرص بالغ وقالت تطمئن:

– قفلت البرميل ضَباط؟

 طمنتها:

– أيوه يا أماه لا تقلقيش.

أصبحت أمي تنتظر عودتي إلى البيت، من بعد ذلك، وحسها كله حول البرميل لا يكون مفتوح، وفي كل يوم، أثناء كل عودة إلى البيت تسألني بنفس الحرص:

– قفلت البرميل سوا؟ متأكد أنك قفلته ضباط؟

وأمضت أوقاتها من بعد ذلك مستمرة في تمجيد وتعظيم البرميل، تدخل وتخرج بين النسوان في الحارة وقلبها مبسوط منه ومني.

ولو صادفت في طريقها أي مخلوق يسألها:

– أينو فكري هذي الأيام ماعد أحد يشوفه؟

ترد عليه بلسان ومليان:

– يشتغل.

– أينه يشتغل؟

– بحقه البرميل.

– مو من برميل هذا الذي يشتغل بوه يا لطوف؟

– برميل من حق السعودية.. مش من حق هنا.

* كاتب يمني ساخر.

   
 
إعلان

تعليقات