Accessibility links

حدائق الحيوان في اليمن.. المخاطر وأساليب المواجهة..!


عبدالله الصعفاني*

ليس المهم لون القطة، المهم أنها تصطاد الفئران.. تذكرتُ هذه المقولة الصينية متأثرًا باختلافنا في وسائل التواصل الاجتماعي حول نوع الحيوان الذي التهمَ ذراع طفل في العاصمة صنعاء.

* هذا قال أسد، وذاك قال: مش معقول.. ملك الغابة لا يفعلها، لعلها أنثاه “اللبوة”.. فيما ذهب ثالث إلى تحميل النمر المسؤولية..!

وعلى طريقة مندوبي الأمم المتحدة إلى المناطق الساخنة في العالم، شعرتُ بالقلق.

* انشغلنا بنوع الحيوان الذي هاجم الطفل في حديقة الحيوانات عن الانشغال بالأوجاع الجسدية والنفسية التي طالت الضحية وأهله، أو ما هي التدابير المناسبة لمنع تكرار مثل ذلك الحادث المأساوي الذي لم تنفع معه مساعي إيقاف مهاجمة الأسد بصنادل المتابعين للحادث..!

* وأمام التأكيد بأنها ليست الحادثة الأولى، بل سبقها حادث مشابه في محافظة يمنية أخرى، وجب تفعيل الانشغال بالأهم، والسعي للإجابة عن سؤال: كيف نوقف إصرارنا على خلط المأساة بالملهاة في حدائق الحيوان، ولو من باب تقليص عدد الهاويات الماحقات في حياتنا اليمنية، وأولها ماحقات الحروب والأزمات خصمًا مما تبقى لدينا من حكمة وفقه وإيمان. 

* وحيث والسؤال نصف الطريق إلى المعرفة دعونا نناقش سؤالَ مَن الجاني، ومَن الضحية في حادث التهام حيوان لذراع طفل حديقة الحيوان..؟ وبدايةً ما أسهل تبرئة الحيوان؛ لأنّ ابتلاع حيوان بريء متوحش لذراع طفل من موقع فطرته المعتمدة على اللحم والدم سلوك طبيعي، وهنا تم اختزال توحش الغابة في حيوان داخل قفص.

* ولو أردنا تسمية الأشياء بمسمياتها بحساب المسؤولية الجنائية، سنجد أنفسنا أمام مسؤولية مشتركة بين حيوان متوحش، إدارة حديقة، الطفل المجني عليه، أهل الطفل الضحية.. وقبل ذلك رصيدنا البائس من أبجديات المعرفة والوعي بالمخاطر رغم التوجيه الرباني بأن لا نودي بأنفسنا إلى التهلكة.

* أقفاص الحيوانات، ومن خلفها حدائق الحيوان هي الحاضن للحيوانات الرابضة والقائمة، وهي الحاضن للزوار، أطفالًا ونساءً، رجالًا وشبابًا ومراهقين.

ولذلك لا بد من توفير كلّ سبل السلامة والأمان التي تضمن متعة المشاهدة للزوار دونما أدنى مخاطر على طريقة الحادث الأليم إياه.

* ومن أبجديات الحماية، وضع الحواجز الكافية للفصل الكامل بين مخالب الحيوان وأسنانه وبين أجساد زوار الحديقة، والاهتمام بحسنة أن تكون فتحات الشباك الفاصلة من الضيق بحيث لا تساعد الحيوان على قضم رأس أو ذراع.

* صحيح أن ذلك سيخفف من متعة وضوح المشاهدة، ولكن لا بأس من استدعاء القاعدة الفقهية التي تذكِّرنا بكون درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح.. وأيّ مصلحة في الفرجة على حيوان أعاد طفلاً إلى بيته بدون ذراع؟.

* ولا يمكن الحديث عن شكل ومتانة الأقفاص الحاضنة للحيوانات البرية في الحدائق لضرورة ذلك، دون التوصية بأن تكون الأقفاص وأبوابها وأجهزة الإنذار الافتراضية تحت الفحص والصيانة الدائمة؛ لأنّ لكل حائط عمره الافتراضي، خاصة والقفص يتعرض لضربات حيوانات لا تفتقر للقوة ولا للتوحش، وتقلُّب مزاجها بسبب الحاجة للأكل وما إلى ذلك من نداءات الطبيعة الحيوانية، فضلاً عن صور تعرض الحيوان في قفصه لاستفزاز الطائشين من البشر.

* وحيث لا خير في حكاية أو مأساة دون دروس مستفادة رغم صحة القول “ما أكثر العِبر وما أقل الاعتبار”.. من المهم جدًا أن يكون عمال الحدائق  على درجة عالية من التأهيل في إدارة حديقة الحيوانات بما تحتويه، وأن تكون الحيوانات في حالة من الاكتفاء الغذائي الذي لا يجعل زوارها مطمعًا للحيوان الجائع أو حتى الطامع داخل قفصه.

* من الواجب أن تكون مرافق حديقة الحيوان على مستوى معقول من النظافة، حتى لا يعود الأطفال إلى منازلهم متأثرين بتصاعد روائح فضلات الحيوانات، وقَرصات الذباب، وأيضًا الضياع الذي ينتهي ببكاء أُمّ، وإعلانات فقدان صغار، وطلب العثور عليهم في الزحام..!

* إن على أولياء الأمور أن يكونوا قريبين من أطفالهم، وأن يستفيدوا من الدروس المأساوية بعدم التغافل عن اقتراب الأطفال من الأقفاص أو القفز فوق الحواجز.

* وإذا كان هناك من إغلاقة هنا، فهي الدعوة لعدم استبساط الشروط الموضوعية لتشغيل أي حديقة للحيوان؛ لأنّ للمهمة مخاطرها، حتى في الدول المتقدمة..!

* حدائق الحيوان فضاء للمتعة واللهو البريء، ولا يجوز أن نجعلها بالإهمال الفردي والعام مساحات لصناعة المأساة على النحو الذي تابعناه..!

* كاتب يمني

تعليقات