Accessibility links

القات بوصفه ثقافة: قراءة في كتاب «ثقافة القات في اليمن» لـ د.عبدالله الزلب  


محمد البكري

 ليس من الصعب أن يُكتب كتابٌ عن القات في اليمن؛ فالمادة أمام الباحث واسعة، والظاهرة حاضرةٌ في الحياة اليومية حضورًا يكاد يجعلها من أكثر الظواهر الاجتماعية وضوحًا. لكن الصعوبة تكمن في أن يُنظر إلى القات بعيدًا عن الأحكام الجاهزة التي تختزله في كونه عادة ضارة، أو مشكلة صحية، أو عبئًا اقتصاديًا.

من هنا تأتي أهمية كتاب الدكتور عبدالله علي الزلب «ثقافة القات في اليمن: مقاربة سوسيولوجية»؛ إذ لا يتعامل مع القات بوصفه نباتًا فحسب، وإنما بوصفه ظاهرة اجتماعية وثقافية تشكلت حولها شبكة واسعة من المعاني والممارسات والعلاقات. 

 الفكرة الأساسية، التي ينطلق منها الدكتور عبد الله الزلب هي أن الإقبال اليمني على القات لا يمكن تفسيره تفسيرًا كافيًا بالعوامل الفيزيولوجية أو النفسية وحدها. فمضغ القات، في نظره، فعل اجتماعي قبل أن يكون مجرد إشباع لحاجة فردية؛ لأنَّ المجتمع أضفى على هذا الفعل مجموعة من المعاني والتصورات والقيم، وجعله جزءًا من أنماط الحياة اليومية. ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه الكتاب ضمنيًا ليس: لماذا يمضغ اليمنيون القات؟ فحسب، وإنما: كيف تحوَّل القات إلى جزء من الثقافة اليمنية، وما الوظائف التي أصبح يؤديها داخل المجتمع؟ وهذا التحوّل في زاوية النظر هو أهم ما يميّز الكتاب. فالدكتور عبد الله الزلب لا يبدأ من إدانة الظاهرة ولا من الدفاع عنها، وإنما يحاول فهمها من داخل المجتمع الذي أنتجها وأعطاها معناها. و«ثقافة القات» عنده هي جملة الأفكار والتصورات والمعتقدات والممارسات التي أضفاها المجتمع اليمني على استهلاك القات، وهي حصيلة تجربة تاريخية وليست سلوكًا طارئًا أو فرديًا. ومن ثم فإن الظاهرة القاتية تصبح، في التحليل السوسيولوجي، نافذة يمكن من خلالها رؤية المجتمع اليمني نفسه.

من النبات إلى المؤسسة الاجتماعية:

 تكمن أهمية الكتاب في الانتقال من القات بوصفه مادة مستهلكة إلى القات بوصفه مؤسسة اجتماعية. فالقات لا يُستهلك في عزلة، وإنما يرتبط غالبًا بالمجلس أو «المقيل»، وهو فضاء اجتماعي له قواعده وطقوسه وعلاقاته. وتختلف تسمية هذا الفضاء من منطقة إلى أخرى؛ فهو «المبرز» في عدن وبعض مناطق الجنوب، و«المتكا» في صنعاء، و«المقيّل» في تعز، و«المنشر» في الحديدة. وهذا التنوع في التسمية يكشف منذ البداية أن الأمر يتعلق بممارسة اجتماعية متجذرة في البيئات المحلية. وهنا يبرز المجلس بوصفه أهم اكتشاف تحليلي في الكتاب. فمجلس القات ليس مجرد مكان تجتمع فيه مجموعة من الأشخاص لمضغ الأوراق الخضراء، وإنما فضاء لإنتاج العلاقات وإعادة تنظيمها. فيه يجتمع الناس، ويتبادلون الأخبار، ويتحدثون في الشأن العام، ويتفاوضون، ويتسامرون، ويتبادلون المعرفة، ويستعرضون المكانة الاجتماعية. وبذلك يصبح القات وسيطًا اجتماعيًا، بينما يتحوّل المجلس إلى فضاء لإنتاج الثقافة وإعادة إنتاجها. ولذلك فإن فهم القات لا ينفصل عن فهم المقيل. فالمشكلة ليست في الورقة الخضراء وحدها، وإنما في المنظومة الاجتماعية التي تشكلت حولها. وهذه النقلة من «القات» إلى «مجلس القات» هي التي تجعل الكتاب مختلفًا عن الدراسات التي تركز على الجوانب الطبية أو الاقتصادية وحدها. مجلس القات بوصفه فضاءً عامًا من أكثر أفكار الكتاب إثارة للتأمل أن مجلس القات أصبح، في سياقات يمنية مختلفة، بديلًا عن عدد من الفضاءات الثقافية والاجتماعية الرسمية. ففي ظل محدودية المراكز الثقافية والمؤسسات الترفيهية والفنية، تحولت المجالس إلى أماكن للاتصال والتواصل، وكذلك ارتبط بها الغناء والموسيقى والحكاية والنقاش. ويذهب الدكتور الزلب إلى أن استمرار هذه المجالس أسهم في إعادة إنتاج الثقافة التقليدية اليمنية والمحافظة على كثير من مظاهرها. ومن هنا يمكن قراءة مجلس القات باعتباره فضاءً عامًا غير رسمي؛ فهو ليس مؤسسة سياسية أو ثقافية بالمعنى التقليدي، وإنما يؤدي بعض وظائف المجال العام: تداول المعلومات، تكوين الآراء، بناء العلاقات، ومناقشة الشأن الاجتماعي والسياسي. وهذا يفسر أيضًا لماذا لا يمكن التعامل مع القات باعتباره عادة فردية. فالفرد لا يستهلك القات وحده فقط، وإنما يدخل من خلاله في شبكة من العلاقات. وقد يكون الشخص في مجلس القات عضوًا في جماعة، أو صاحب مكانة، أو متحدثًا، أو مستمعًا، أو وسيطًا بين الآخرين. وبالتالي يصبح المقيل أحد الأماكن التي تُبنى فيها المكانة الاجتماعية وتُختبر فيها العلاقات. 

القات والهُوية اليمنية:

يتجاوز الزلب الوظيفة الاجتماعية المباشرة للقات إلى مستوى أكثر عمقًا، هو الهُوية. فحين تتعدد المرجعيات الثقافية التي يتعرض لها المجتمع اليمني، يصبح القات في بعض السياقات رمزًا لما يُنظر إليه بوصفه خصوصية محلية. 

ويشير الكتاب إلى تداخل عدة مرجعيات ثقافية في المجتمع اليمني، منها الثقافة المدينية التقليدية، والثقافة القبلية، والثقافة العربية الحديثة، والثقافة الغربية الوافدة عبر الاتصال ووسائل الإعلام. 

وفي وسط هذا التعدد يمكن لمجلس القات أن يؤدي وظيفة استعادة بعض عناصر الثقافة المحلية، وأن يتحول القات من مجرد مادة للاستهلاك إلى علامة على الانتماء والخصوصية. 

وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل اليمني يمضغ القات لأنه اعتاد عليه فقط، أم أنه يمارس من خلاله، من حيث يدري أو لا يدري، نوعًا من التعبير عن انتمائه الاجتماعي والثقافي؟

يكشف الكتاب كيف أمكن لظاهرة القات أن تكتسب دلالة هُوياتية داخل المجتمع. ولعل حضور القات في الأدب والشعر والفن والموسيقى والمعمار والعادات اليومية يؤكد اتساع أثره خارج حدود الاستهلاك المباشر. 

ويستشهد الزلب في هذا السياق بصورة لافتة بشعر عبدالعزيز المقالح وعبدالله البردوني، حيث يتحول القات إلى علامة يمكن أن تشير إلى اليمن واليمني.

القات وإعادة إنتاج الثقافة:

لا يكتفي مجلس القات باستضافة الثقافة، وإنما يسهم في إعادة إنتاجها. فالعادات وطرائق الكلام والآداب الاجتماعية وأنماط التواصل والحكايات والموسيقى والمواقف والقيم تنتقل داخل هذا الفضاء من جيل إلى آخر. ومن هذه الزاوية يصبح المقيل أشبه بمؤسسة اجتماعية غير مكتوبة: له زمانه، ومكانه، وطقوسه، وأعرافه، وأدواره، وحدوده. والإنسان الذي يدخل هذا الفضاء لا يدخل إليه مجرد مستهلك للقات، وإنما يدخل منظومة اجتماعية لها قواعدها التي يتعلمها بالممارسة. 

ولهذا فإن استمرار ظاهرة القات لا يرتبط فقط باستمرار الرغبة في استهلاكه، وإنما باستمرار البنية الاجتماعية التي تمنحه وظيفته ومعناه. فلو كان القات مجرد مادة ذات تأثير جسدي، لأمكن تفسير استمراره بعوامل صحية أو نفسية؛ لكن وجود مجلس كامل، وطقوس، وعلاقات، وذاكرة اجتماعية، ولغة خاصة، وأشكال من التواصل، يجعل الظاهرة أوسع بكثير من المادة نفسها.

القات والفن: 

 من الجوانب اللافتة في الكتاب أن المقيل لا يظهر فيه فضاءً للكلام فقط، وإنما فضاءً يمكن أن يحتضن الفن. فالموسيقى اليمنية ارتبطت في بعض صورها بطقوس جلسات القات، كما ظهرت تجربة «مسرح المقيل» التي استثمرت مجلس القات بوصفه فضاءً للعرض المسرحي، في تجربة ارتبطت بالمخرج العراقي كريم جثير في بداية التسعينيات. وهنا يتحوّل المقيل من موضوع اجتماعي إلى فضاء جمالي يمكن أن يعاد توظيفه فنيًا. وهذا المثال مهم لأنه يكشف اتساع مفهوم الثقافة عند الزلب. فالثقافة ليست فقط الأفكار والمعتقدات، وإنما أيضًا الفنون والطقوس وأنماط الاجتماع والفضاءات التي تُنتج فيها هذه العناصر. 

مشروعية القات:

من القضايا التي يناقشها الكتاب مسألة المشروعية التي اكتسبها القات داخل المجتمع اليمني. وتطرَّق إلى كيف تصنع الثقافة قبول الظاهرة. وأشار إلى أن ظهور القات ارتبط تاريخيًا، في بعض مراحله، بأوساط دينية، واستُخدم لما ارتبط به من السهر، ثم اكتسب مع الزمن قبولًا اجتماعيًا ودينيًا أوسع. 

ويشير الدكتور الزلب إلى أن المذهبين الزيدي والشافعي السائدين في اليمن لم يجعلا استهلاكه في منزلة المحرمات، وهو ما أسهم في تكوين إطار من القبول الاجتماعي للظاهرة. 

وهنا يقدم الكتاب درسًا مهمًا في علم الاجتماع: العادة لا تستمر بمجرد التكرار، وإنما تستمر حين تجد لنفسها تفسيرًا ومشروعية داخل منظومة المجتمع. فالإنسان لا يمارس العادة لأنها موجودة فقط، وإنما لأنه يستطيع أن يجد لها معنى يبررها ويجعلها مقبولة في محيطه الاجتماعي.

قيمة الكتاب وحدوده:

تتمثل القيمة الأساسية لكتاب الدكتور الزلب في أنه نقل دراسة القات من السؤال الأخلاقي المباشر: «هل القات جيد أم سيئ؟» إلى سؤال علمي أكثر تركيبًا: كيف أصبح القات جزءًا من البناء الاجتماعي والثقافي اليمني؟ وهذا لا يعني أن المقاربة السوسيولوجية تنفي الآثار الصحية أو الاقتصادية أو الزمنية للقات؛ وإنما تعني أنها لا تجعل تلك الآثار نقطة البداية الوحيدة لفهم الظاهرة.

 ومن هنا فإن هذا الكتاب يظل مهمًا حتى بالنسبة إلى من يرفض القات؛ لأن رفض الظاهرة لا يغني عن فهم أسباب تجذرها. ومع ذلك، فإن قوة الكتاب في كشف الوظائف الثقافية والاجتماعية للقات يمكن أن تصبح، إذا أسيء فهمها، مدخلًا إلى الخلط بين تفسير الظاهرة وتبريرها. فالقول بأن القات يؤدي وظائف اجتماعية لا يعني بالضرورة أن هذه الوظائف إيجابية، كما أن القول بأنه أصبح جزءًا من الثقافة لا يعني أن كل ما هو ثقافي ينبغي المحافظة عليه. وهذه نقطة منهجية مهمة عند قراءة الكتاب قراءة نقدية.

 كما أن أهمية الكتاب اليوم لا تعني الاكتفاء بما وصل إليه؛ فالتحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية التي عرفها اليمن بعد صدوره تفرض إعادة اختبار بعض استنتاجاته. فقد تغيّرت أنماط التواصل، وظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، وتبدلت علاقة الأجيال الجديدة بالمجالس التقليدية، كما أن الحرب والأزمة الاقتصادية أعادتا تشكيل كثير من أنماط الحياة اليومية. ولذلك يمكن أن يكون كتاب الدكتور الزلب أساسًا لدراسة جديدة تسأل: ماذا بقي من ثقافة القات التي وصفها الزلب، وماذا تغيّر؟

الكتاب في جملة واحدة: 

 يمكن تلخيص الطرح الفكري للدكتور الزلب في هذا الكتاب في فكرة واحدة، وهي: القات في اليمن ليس مجرد نبات يُمضغ، وإنما ظاهرة اجتماعية صنعت حول نفسها ثقافة كاملة؛ ومجلس القات ليس مجرد مكان للاستهلاك، وإنما فضاء تتقاطع فيه العلاقات والهُوية والذاكرة والفن والتواصل وإعادة إنتاج الثقافة. 

ولهذا فإن أهمية الكتاب ليست من موضوعه وحده، وإنما في الطريقة التي نظر بها الباحث إلى الموضوع. إنه لا يطلب من القارئ أن يحب القات أو يكرهه، وإنما أن يفهم كيف يمكن لعادة يومية أن تتحول، بفعل التاريخ والمجتمع والطقوس والمعتقدات والعلاقات، إلى مؤسسة ثقافية تكاد تتداخل مع تفاصيل الحياة نفسها.

 ومن هذه الزاوية، يصبح كتاب «ثقافة القات في اليمن» كتابًا عن القات من جهة، لكنه في العمق كتاب عن المجتمع اليمني وكيف يصنع معانيه، ويحافظ عليها، ويُعيد إنتاجها، ويمنح عاداته اليومية قدرة على الاستمرار والتحول إلى علامات للهُوية والانتماء. وهذه هي قيمة الدراسة السوسيولوجية.

* كاتب وأكاديمي يمني

تعليقات