Accessibility links

أنعشت الحرب تجارة الفخاريات: هل عاد اليمن لبدائيته؟


إعلان
إعلان

صنعاء – “اليمني الأميركي” – محمد العلفي
شهدت تجارة الفخاريات (المدَر) في اليمن انتعاشًا في السنوات الأخيرة بسبب ظروف الحرب المستعرة هناك منذ أكثر من ست سنوات، والتي دفع واقعها المأساوي اليمنيين للجوء إلى أساليب بدائية في المعيشة كالاعتماد على التناوير التقليدية والأواني الفخارية الخاصة بالمأكولات والمشروبات، في دلالة على حجم المعاناة التي بات يعيشها الناس هناك تحت نير الحرب والحصار.

شاوش الشاوش امام معروضاته من الفخاريات

 

ونتيجة لهذا الواقع ازدهرت مبيعات الأواني الفخارية، وبالتالي ازدهرت حرفة كانت قد تراجعت قبل الحرب، وبسبب ذلك التجأ عديد من الناس للعمل في تجارة هذه الأواني، والبعض حقق نجاحًا لافتًا، واستطاع تأمين حياة مستقرة له ولأسرته من العمل في بيع الفخاريات.

من هؤلاء نجدُ الشاب شاوش الشاوش (35 سنة) الذي استطاع تحدي واقعه وظروف الحرب المستعرة في بلاده، والعمل في هذا المجال محققًا نجاحًا استطاع من خلاله سداد ديونه وتوفير مصدر دخل لإعالة أسرته.

لم يمر على (شاوش) سوى عامٍ واحد مذ بدء العمل في بيع المنتجات الفخارية، التي يعرضها على الطريق الذي يربطُ العاصمة صنعاء بمحافظات شمال وغرب البلاد، وتحديدًا بمنطقة المعمر (26 كيلومتر شمال صنعاء)، إلا واستطاع أنْ يُسدد ديونه التي استدانها كرأس مال للمشروع، والذي تجاوز المليون ريال، وبات اليوم يطمحُ لفتح محلٍ آخر.

تُعد صناعة الفخاريات في اليمن حرفة تربطُ بين الحاضر والماضي الضارب بجذوره في عمق التاريخ، حيث تعودُ البدايات الأولى لصناعتها إلى حوالى 2600 قبل الميلاد بحسب اكتشافات البعثة الإيطالية في المرتفعات الوسطى بقيادة “دميغريه”… ومن أهم المناطق اليمنية التي تشتهر بصناعة الفخار وأنماطها التقليدية المتعددة والزاهية مناطق: تهامة (حيس، زبيد، الجراحي، وبيت الفقيه) بمحافظة الحديدة، وعتمة ووصابين  بذمار، وريمة، وكذا منطقة الحجرية بتعز، وبعض مناطق صنعاء وحضرموت.

 

دفعت الحرب اليمنيين للجوء إلى استخدام الأواني الفخارية والتناوير الطينية في دلالة على حجم المعاناة التي باتوا يعيشونها بعد أكثر من ست سنوات حرب.

البحث عن عمل

يروي شاوش قصته لـ “اليمني الأميركي”، وهي قصة لا تخلو من المعاناة في طلب الرزق، حال الكثير من اليمنيين، حيث كان يذهبُ للعمل في مزارع القات يومي إجازته من المدرسة (الخميس والجمعة) ليوفر متطلبات دراسته، ويساعدُ والده ولو بالقليل، وهو العمل الذي استمر فيه عقب إنهائه المرحلة الثانوية في العام 2012، بسبب ظروف أسرته المعيشية التي لم تُمكّنه من إكمال دراسته الجامعية.

يقول: «استمريت في العمل مع مزارعي شجرة القات حتى شحّت المياه في القرى المحيطة بمنطقة المعمر، بل وتكاد تنضب، فبدأتُ أبحث عن عمل آخر، لكن دون فائدة».

حالت الظروف الاقتصادية المتردية وغلاء المعيشة، التي تعانيها البلاد جراء الحرب المستعرة هناك دون حصول شاوش على عمل يُوفّر من خلاله لقمة عيش لأسرته.

«اقترضتُ مبلغًا، وفتحتُ بوفية بجوار إحدى المدارس بصنعاء لبيع الشيبس، ولكني خسرت، وأُغلِقت أمامي الأبواب؛ فقلتُ أبحثُ عن مصدر رزق في مكان آخر، وسافرت أنا وأحد إخوتي للعمل في حضرموت، وهناك عملنا في الحجر والطين بالأجر اليومي، ولكن دون جدوى».

 ازدهرت حرفة صناعة وبيع الفخاريات خلال الحرب ووفرت المهنة مصدر دخل لعاملين جُدد في بيعها بما فيها الشاب شاوش الشاوش الذي يروي قصته هنا..

نافذة أمل

قبل قرابة العام، وفي أحد الأيام، جاء الأخ الأصغر لشاوش، الذي استمر في عمله ببيع القات، واقترح على شاوش البحث عن رأس مال، والعمل في بيع الأواني الفخارية، إلا أنه رفض الفكرة خوفًا من فشل المشروع وتراكم الديون.

يقول شاوش: «كنتُ متخوفًا من فشل المشروع، لكن أخي أقنعني عندما أخبرني كيف أنّ المحل الوحيد الذي يبيعُ أواني فخارية في المنطقة يجني أرباحًا لا بأس بها، مستدلاً بأنّ صاحب المحل يشتري منه قات بمبالغ كبيرة»، «بعتُ ذهب زوجتي واقترضتُ الباقي، وقمتُ بفتح هذا المحل الذي نتناوبُ أنا وإخوتي على العمل فيه».

يحرصُ شاوش على عرض أصناف مبيعاته على جانب طريق المسافرين بطريقة جذابة، بغية لفت انتباه المسافرين وجذب الزبائن، حيث يعرضُ مختلف الأواني الفخارية التي يستخدمها الناس للمأكولات والمشروبات، وأفران صناعة الخبز التقليدية (التنور)، بالإضافة إلى الهدايا الفخارية كمجسمات (دار الحجر) والمزهريات والمباخر (أوانٍ فخارية تُستخدم كوعاء لحرق البخور)، والتي يعرضها بعد إضفاء لمسة جمالية عليها من خلال زوجته التي تقومُ بتجميل تلك المباخر من خلال إضافات جمالية لتصبح أجمل، وتلقى رواجًا لدى الزبائن.


الحرب والفخاريات

يرى شاوش أنّ الحرب التي اندلعت في اليمن في مارس (آذار) 2015 أسهمت في زيادة الإقبال على الفخاريات ولو نسبيًّا، «ما يعانيه الناس من أزمات متلاحقة للغاز المنزلي، الذي كان سببًا في انتشار تناوير الغاز، دفعهم للعودة للتناوير التقليدية التي تعتمدُ على الحطب، وبالتالي استخدام الأواني الفخارية للطبخ بدلاً من الأواني المعدنية، التي تتأثرُ كثيرًا بلهب نيرات الحطب».

ويتحدثُ مستخدمون للأواني الفخارية عمّا يوفره لهم استخدام الفخاريات مع تزايد الأزمات التي ضاعفت من تعقيد الحياة المعيشية، وبالذات مشكلة انعدام وغلاء الغاز المنزلي التي دفعت كثيرًا من الناس للجوء إلى الأواني الفخارية باعتبارها توفر كثيرًا في استخدام التنور الطيني التقليدي وغيره من الأواني الفخارية، بالإضافة إلى أنّ مشكلة الكهرباء دفعت الكثير من الناس إلى الاعتماد على الفخاريات في تنقية وتبريد مياه الشرب.

يقول يوسف، وهو موظف حكومي، «لقد دفعتنا الحرب عقب انقطاع صرف الرواتب، منذ أواخر عام 2016، للعودة إلى الحياة في القرية؛ نتيجة غلاء المعيشة الجنوني، وعدم المقدرة على دفع إيجار السكن، حال الكثيرين».

ويضيفُ يوسف بنبرة كلها أسى: «لا مرتبات ولا غاز، وإنْ وُجِد فقيمة الاسطوانة تصلُ إلى 10 آلاف ريال… ما عاد معنا إلا نحطب ونرجع لِما كانت عليه حياة الأجداد؛ فالحرب لم تترك لنا خيارًا».

   
 
إعلان

تعليقات