Accessibility links

وجدي الأهدل*

الأحكام المسبقة تجعلنا نظن أن رواية صينية معاصرة لن تكون بمستوى الروايات المتدفقة من الغرب، إلا أنني في كل مرة أقرأ رواية صينية مترجمة للعربية أفاجأ بالمستوى الفني العالي الذي وصل إليه الروائيون في الشرق الأقصى.

رواية “عباءة الإخفاء” للروائي الصيني (غي في) هي من أحدث ما ترجم من الأدب الصيني (2025)، ترجمها إلى اللغة العربية يوسف فرغلي، وصدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة، وتقع في مئة وخمسين صفحة.

تتحدث رواية “عباءة الإخفاء” عن (تسوي) الذي ولد في بواكير سبعينيات العقد الماضي، في ضاحية من ضواحي بكين الفقيرة، وعايش التحول التدريجي التاريخي للمجتمع الصيني من الشيوعية إلى اقتصاد السوق.

توفي والد (تسوي) بنوبة قلبية أثناء عمله في محل لإصلاح الأجهزة الاليكترونية، فلم يكمل تعليمه الجامعي، وظل يتنقل في عدة أعمال حتى استقر في مهنة تركيب السماعات الصوتية:

“حتى الآن تعرفون أني أقوم بتجميع مضخمات الصوت. عدد من يكسبون قوت يومهم من هذه المهنة في بكين لا يتجاوز العشرين. وهي ربما أحد أكثر المهن تواضعًا في الصين الآن. الغريب هو أن زملائي في هذا المجال على الرغم من أننا نعرف بعضنا البعض فإننا لا نتقابل مطلقًا. لا نتملق ولا نسخر من بعضنا البعض. ولا نبدي أي ملاحظات أو انتقادات على عمل أي زميل لنا في المهنة. كل واحد منا يحافظ على زبائنه القليلين ويعتمد عليهم في كسب الرزق. جزء كبير من هذا المجتمع غير مدرك لوجودنا. وهذا ليس شيئًا سيئًا بالضرورة. فنحن لدينا أسباب كافية لننبذ هذا المجتمع، بينما نختبئ في ركن مظلم نجد متعة في هذه الحياة البعيدة عن الأنظار”ص19.

(تسوي) يرى من وجهة نظره أن العاملين في هذا المجال اكتسبوا هذه الخصال الحسنة بسبب استماعهم للموسيقى بحكم عملهم، وهو ذاته عاشق صادق للموسيقى الكلاسيكية، وذواقة رفيع المستوى للسمفونيات الشهيرة وحتى تلك المغمورة التي لا يعرفها إلا الخواص.

نجد في رواية “عباءة الإخفاء” متعة خالصة في الإصغاء لقلم (غي في) وهو يُحلل لنا طباع سكان مدينة بكين وفضائلهم ورذائلهم، وكيف يفكرون، وحول ماذا يتناقشون، وكيف هي عاداتهم اليومية وتقاليدهم الاجتماعية.. وهي حتمًا مختلفة بهذا القدر أو ذاك عن العادات والتقاليد في غرب آسيا وكذلك عن الغرب الأوروبي.

علمًا أن هذه العادات والتقاليد قد مرت بمخاض طويل جدًا، بسبب الثورة الثقافية في عهد الرئيس الشيوعي ماو تسي تونغ، ثم بعد فتح الباب لتهب رياح الرأسمالية في عهد الرئيس دنغ شياو بينغ.. وهذا الأخير سنعود إليه لاحقًا.   

تحضر الجغرافيا بقوة في رواية “عباءة الإخفاء”، فهذا الروائي يجيد المعادلة الروائية الصحيحة، فهو يذكر بدقة تفاصيل الحارات والشوارع والمنشآت، وكأنه يرسم خريطة طبوغرافية لمدينة بكين وضواحيها الأكثر ثراءً.. إنه ينقلك بلمسة سحرية من مكانك الذي أنت فيه، إلى شارع من شوارع بكين في غمضة عين:

“إذا كنت تعيش في بكين ويصادف أنك تحب شاي الكونغوفو، إذن فلابد أنك سمعت من قبل عن شارع ماليان. إنه يقع في منطقة شوان ووه بالقرب من جسر قوانغ آن مين، ولا يبعد كثيرًا عن منزلنا القاطن في شارع تشون شو. عندما كنت صغيرا كان شارع ماليان يعد من ضواحي بكين، كنت أذهب أنا وأختي إلى حدائق الفاكهة هناك لنسرق المشمش. أما الآن فقد أصبحت تلك المنطقة واحدة من أكبر المراكز التجارية لبيع أوراق الشاي، حيث يكتظ الشارع بمحلات بيع الشاي لتجار من فوجيان أو جاجيانج”ص69.

الصديق الحميم لبطل الرواية اسمه (سونغ بينغ)، ولاحظوا هنا تشابه اسم هذا الصديق مع اسم الزعيم الصيني (دنغ شياو بينغ) الذي قاد للصين باتجاه الرأسمالية، وهو تشابه ذو مغزى.. وفي الرواية فإن (بينغ) هو أحد أكثر الأصدقاء نذالة في الأدب الروائي الذي قرأته حتى الآن! في طفولتهما لجأ (بينغ) لأسرة بطل الرواية، وعاش معهم لفترة من الزمن، وكانت أم بطل الرواية تعامله كأبنها، بل وعرضت عليه أن تتبناه ليعيش معهم.. وقد رد الجميل لهذه الأسرة بما هو لائق بمعدنه: اغتصب الأخت الصغرى ثم اختفى.. ولم تخبره أمه ولا أخته بما حدث، ولكنهما ظلتا تكرهان ذكر اسمه.

وقع الصديق (بينغ) في مأزق أكثر خطورة وهو طالب جامعي في كلية الاتصالات: عاشر زميلة له وحبلت منه، وكان افتضاح الأمر سيقضي على مستقبله الحزبي والسياسي.. تحمل بطل الرواية (تسوي) وزر خطيئة صاحبه، وقام بإجراءات إجهاض الطالبة مدعيًا أنه المسئول عن حملها، بل ودفع من جيبه تكاليف عملية الإجهاض.

يقتنص (دينغ) ثروة في عهد اقتصاد السوق ويمتلك مصنعًا للملابس، بينما ظل (تسوي) فقيرًا بلا شهادة جامعية ولا عمل ثابت مربح.. ونتيجة ظروف معينة يضطر (تسوي) إلى طلب قرض من صديق عمره، وكان رد (دينغ) مهينًا ومذلا.

الرمزية السياسية واضحة، حتى بالنسبة لقارئ من ثقافة مختلفة، وحتى عبر الترجمة من لغة لأخرى، فهذا الروائي لا يبدو متحمسًا لاقتصاد السوق، وهو يرى أن القيم الرأسمالية أحدثت تغييرًا غير محمود في أخلاق الشعب الصيني، وجعلته ماديًا، وبعيدًا عن الجوانب الروحية والثقافية الأصيلة للصين.

لكن هذه الرؤية أيضًا ليست متفقة تمام الاتفاق مع رؤية بطل الرواية (تسوي)، أو على الأقل ليست متطابقة، إن بينهما اختلافًا تكامليًا، أيّ أن أحدهما يُكَمِّل الآخر، وهذه صيغة معرفية غير مفهومة في ثقافتنا العربية، وهي كذلك غير منطقية بالنسبة للعقل الغربي، إلا أنها إحدى إبداعات العقل الصيني، وأجمل ممكناته.. فالليل والنهار بالنسبة للمتشبع بثقافة (التاو) ليسا متناقضين، ولكن كل واحد منهما ضروري للآخر وبدونه يصبح بلا معنى.

يختتم (غي في) روايته بمقطع رائع: أستاذ جامعي يستدعي بطل الرواية إلى منزله لتركيب مضخم صوت، وهناك يسمع هذا الأكاديمي يشتكي لزوجته من أن المجتمع يسوده الفوضى والرذيلة، وعن الانحطاط وتردي الذوق العام وكيف أن الدولة في طريقها للانهيار.. في الأخير يفقد (تسوي) صبره ويقول لذلك الأستاذ الجامعي كلمات أراها لسان حال المؤلف:

“رفعت رأسي ناظرًا إليهما. وضعت مفك البراغي جانبا ثم قمت واقفا، رفعت بنطالي الذي تدلى، واستخدمت نبرة صوت كانت غريبة حتى بالنسبة لي، قائلاً له: هل يمكنني أن أدلي برأيي المتواضع بخصوص هذه المسألة؟ إذا لم تكن تحب تصيد الأخطاء أو تتبع أصل كل شيء، إذا تعلمت أن تتغاضى عن بعض الأمور، وأن تغير من عادتك السيئة في الشكوى ولوم الآخرين، فسوف تكتشف فجأة، أن الحياة ما زالت جميلة بحق الجحيم، أليس كذلك؟”ص150.

ولد الروائي (غي في) عام 1964، ودرس الأدب الصيني في جامعة شرق الصين للمعلمين، ويعد من أبرز أدباء التيار الطليعي في الصين. ولا أدري إن كانت قد ترجمت له أعمال أخرى إلى اللغة العربية، ولكنه بلا شك فنان عظيم يستحق البحث عن أعماله وقراءتها.

* روائي وكاتب يمني.

تعليقات