Accessibility links

وجدي الأهدل*

وسط جعجعة الحرب تآكل الرأسمال الثقافي لليمن، وخسر المثقفون اليمنيون المكاسب المحدودة التي راكموها خلال نصف قرن.

حتى قبل نشوب الحرب، كانت هناك عوامل هدم تقف بالمرصاد لأيّ مسار ثقافي.. ثم أتت الحرب لتجهز على ما تبقى من بؤر ثقافية تقاوم تيار الهدم والفناء.

موت الثقافة في بلد ما هو حدث جلل.. وباستثناء فئة قليلة تبدي المقاومة لما يجري مثل البيانات التي يصدرها الأستاذ أحمد ناجي أحمد باسم جماعة من المثقفين اليمنيين، فإن الجهات الرسمية والأحزاب السياسية والطبقة المتعلمة في اليمن لا تبالي بخسارة رأسمالها الثقافي الثمين والقوة الناعمة لليمن.

أين خسرنا تحديدًا؟ سأذكر ما تسعف الذاكرة بذكره:

1- اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، تأسس عام 1971، ويعتبر بمثابة نقابة لكل المثقفين اليمنيين، وشغل رئاسة الاتحاد ثلة من أعظم الشخصيات المثقفة التي أنجبتها اليمن، مثل البردوني وعمر الجاوي ومحمد الربادي ويوسف الشحاري وأحمد قاسم دماج وعبدالله البار، لكنه توقف عن النشاط عام 2011، لأسباب غامضة.. في ذلك العام تفجرت ثورة الشباب في اليمن، ضمن موجة ثورات الربيع العربي.. كان للاتحاد مقرات في معظم محافظات الجمهورية، ولأن الاتحاد كيان مدني، لا تحميه القبيلة، فقد امتدت إليه أيادي الطامعين، فاستولى أحد النافذين بحكم قضائي عام 2018 على مقر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في عدن، وهو المقر الذي حصل عليه الاتحاد بأمر من الرئيس علي ناصر محمد، رئيس اليمن الجنوبي، وتقدر قيمة هذا العقار المطل على الشاطئ في خور مكسر بملايين الدولارات. وفي عام 2021 تعرض مقر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بإب للاقتحام والنهب والتخريب، ولم يعد صالحًا لأيّ نشاط ثقافي. وفي عامنا هذا (2026) جرت محاولة للاستيلاء على مقر الاتحاد الرئيسي في صنعاء، وبواسطة أمر قضائي بالتسليم والإخلاء، وكما يبدو فإن هذه المحاولات لن تتوقف. تعرض مقر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في ذمار إلى محاولة نافذين الاستيلاء عليه بالقوة، وبعد نزاع قضائي استمر لسنوات، صدر حكم من المحكمة عام 2024 قضى بأن المقر والأرضية التابعة له ملك لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين. تعرض مقر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في المكلا للاقتحام والإغلاق عام 2016 عندما سيطر تنظيم القاعدة على المدينة. كذلك جرى إغلاق مقر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في تعز عام 2011، وظل مغلقًا لأكثر من عشر سنوات. ومنذ عام 2011 توقفت جميع المجلات الصادرة عن اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين وفروعه.  

2- مؤسسة العفيف الثقافية: تأسست عام 1989 في صنعاء، أسسها وزير التربية والتعليم السابق أحمد جابر عفيف. تعتبر أهم مؤسسة ثقافية مستقلة في اليمن. توقفت المؤسسة عن النشاط عام 2015، بسبب الحرب. مقر المؤسسة المكون من المبنى والأرض وقف ثقافي لا يحق للورثة بيعه، ووضع المؤسس أحمد جابر عفيف وديعة مالية في أحد البنوك، ليتم الصرف من فوائدها السنوية لتشغيل المؤسسة. في يونيو 2026 قام الورثة ببيع مقر المؤسسة، وخسرت اليمن أهم رافد من روافدها الثقافية.

3- مؤسسة إبحار للطفولة والإبداع: أهم مؤسسة مدنية مهتمة بالأطفال في اليمن، تأسست عام 2003، أسستها القاصة مها ناجي صلاح، توقفت عن النشاط بسبب عدم تجديد التصريح وأغلق مقرها في صنعاء، توفيت الزميلة مها ناجي صلاح عام 2024. الخسارة مضاعفة، فقد خسرنا مبدعة عظيمة في أدب الطفل، وخسرت اليمن المؤسسة المدنية الوحيدة المعنية بالطفولة.

4- مؤسسة بيسمنت الثقافية: تأسست عام 2009 في صنعاء، نفذت أنشطة ثقافية متنوعة، وساهمت في إبراز المواهب اليمنية في الفنون والآداب، عانت من التضييق على أنشطتها الثقافية، ثم انتقلت المؤسسة إلى مدينة تعز في مايو 2025.. ونأمل ألا تضطر البيسمنت إلى الانتقال إلى مكان آخر..

5- مؤسسة السعيد للعلوم والثقافة: تأسست عام 1996 في تعز، تتبع شركات هايل سعيد أنعم، أكبر مؤسسة تجارية في اليمن. توقفت عن النشاط عام 2016 بسبب قيام جماعة متطرفة بإحراق المقر وتدمير جميع محتوياته.

6- بيت الموروث الشعبي: متحف لتوثيق الموروث المادي والكتابي والشعبي، ويضم أزياءً تقليدية، ومقتنيات، ومكتبة متخصصة، وأرشيفاً صوتياً وفوتوغرافيا، أسسته الأديبة والناشطة أروى عبده عثمان في صنعاء، عام 2004، أغلق عام 2010 بسبب صعوبات مالية.

7- هناك مؤسسات ثقافية أخرى أغلقت أيضا أبوابها لأسباب الحرب وضعف التمويل، منها (إبداع) و(شهرزاد) و(سبأ الثقافية) و(باكثير الثقافية).

هناك مؤسسات ثقافية تمكنت من الصمود مثل نادي القصة (إلمقه) الذي تأسس في صنعاء عام 1996، وما يزال نشاطه مستمرا، وهو يدين بالفضل في استمراره إلى الجهود الشخصية لرئيس النادي الروائي محمد الغربي عمران.

وكذلك هناك مؤسسات ثقافية جديدة واعدة، مثل مؤسسة حضرموت للثقافة التي تأسست عام 2021، وقدمت خلال خمس سنوات مساهمات ثقافية كبرى داخل الوطن وخارجه. ومؤسسة جدارية للتنمية الثقافية والإعلام في عدن التي أصبحت منارة للثقافة والإبداع بفضل جهود مؤسسها الأديب ياسر عبدالباقي.

الصورة ليست قاتمة تماما، هناك جيوب ثقافية ترفع الراية وتواصل النضال من أجل الثقافة اليمنية، ومثقفين بجهود شخصية في الإبداع والإنتاج الثقافي يقاومون وحشية الحرب.

لا توجد اليوم في اليمن واحة آمنة تستقر فيها الثقافة اليمنية وتنتعش وتمد جذورها.. أعداء الشعر والقصة والسينما والمسرح والرسم والنحت والموسيقى والغناء يصولون ويجولون في كافة أرجاء البلاد، ولا توجد أيّ جماعة مسلحة ترحب بهم، ولن توجد، وكما يقول الحكيم الصيني لاو تسو “حيثما تحل الجيوش، ينبت الشوك والعليق. وفي أعقاب الحروب الكبرى، تأتي سنوات القحط والمجاعة”.

والآن لا ينبت في تراب اليمن سوى الشوك والعليق، وأضيف إلى ذلك أن اليمن توشك أن تتحول ثقافيًا إلى صحراء مقفرة.

* روائي وكاتب يمني

تعليقات