Accessibility links

وجدي الأهدل*

كَتبتُ العديد من قصص الحب ولم أنشرها، لم أجد فيها ما يهم الناس، بمعنى أنها تبدو شأنًا خاصًا، ولا تملك خصائص القصة التي تستهدف شأنًا عامًا، أو تحمل قضية تستحق المعالجة الأدبية.

من السهل جدًا أن نكتب قصص العشق والغرام، الجميع تقريبًا يمكنه أن يدلي بدلوه في هذا الباب. فلا أحد من ذكر أو أنثى لم يدق قلبه بالمحبة في وقت ما، بل إن البعض يدق قلبه عدة مرات في اليوم الواحد حتى وإن بلغ من العمر عتيا!

الروايات الرومانسية متوفرة بكميات هائلة فلا حاجة لمراكمة المزيد منها، ولا تخلو الأفلام والمسلسلات من قصة حب بين بطليّ العمل، فهي نسمة الهواء الطرية التي تنعش المشاهدين.

لكن برغم كل هذا الابتذال لعاطفة الحب، فإن بئر قصص الحب العظيمة لم ينضب بعد.. وما يزال بالإمكان كتابة عدد لا نهائي منها دون أن نقع في فخ التكرار والتقليد، وإعادة قول ما قد قيل وإن اختلفت الصيغ والشخصيات.

ما هو السر الذي يسمح لنا بكتابة قصة حب لا تشوبها شائبة الابتذال؟

وجدت الحل في قصة قصيرة للروائي الياباني ياسوناري كاواباتا، الحائز على جائزة نوبل للأدب عام 1968، عنوانها “راقصة آيزو” تقع في حوالي أربعين صفحة، وهي منشورة ضمن مجموعة قصصية تحمل العنوان نفسه، وترجمها للعربية بسام حجار، وصدرت عام 1990 عن دار الفارابي ببيروت.

كتب ياسوناري كاواباتا قصته عام 1926، وهو بعمر سبعة وعشرين عامًا، وهي تتحدث عن طالب جامعي يشعر بالكآبة والوحدة، فيقوم برحلة إلى شبه جزيرة آيزو للتمتع بالمناظر الخلابة، وهناك يلتقي بفرقة موسيقية جوالة، أفرادها فقراء وغير متعلمين، ويعجب بأصغر فرد في الفرقة، (كاورو) الضاربة على الطبل، وهي فتاة عمرها أربعة عشر عامًا، التي تشعر هي أيضًا بانجذاب نحوه.. إنها قصة حب عادية جدًا، لكن ما يميزها هو الخلفية الاجتماعية التي تكشف عنها القصة، لا قصة الحب ذاتها، إضافة إلى البراعة السردية التي تميز بها أسلوب ياسوناري كاواباتا.

إذا قسمنا قصة “راقصة آيزو” إلى قسمين: قصة علنية وقصة سرية، فإن القصة العلنية هي قصة الحب، والقصة السرية هي الأعراف الاجتماعية في اليابان.

لقد فوجئت أن هناك نظرة دونية في المجتمع الياباني لمن يعملون في مجال الغناء والموسيقى والرقص، وكواباتا فضح هذه الفوارق الطبقية في عدة مواضع من القصة، فمثلًا العجوز مالكة النزل الذي أقام فيه الطالب تلاحظ افتتانه بـ(كاورو) فتحذره منها بما معناه أنها ليست من مستواه.. والطالب نفسه كان واعيًا بأعراف المجتمع الياباني المحافظ، ويفهم أنه لا يليق به وهو الشاب الذي ينتظره مستقبل واعد بالآمال أن يرتبط بفتاة من أصول وضيعة.

في نهاية القصة يغادر الطالب – راوي القصة شبه جزيرة آيزو في قارب، وتودعه (كاورو) وقد انفطر قلبها، وأما الطالب فيشعر بشيء من الحزن ثم شعور بالراحة..

الشعور الأخير يكشف أن بطل القصة قد غلَّب عقله على مشاعره، وحسم الصراع بداخله لصالح الالتزام بالأعراف والتقاليد والتمسك بموقعه الطبقي.

كما نلاحظ فإن قصة حب بسيطة عندما تم توظيفها بالطريقة الصحيحة، قد تمكنت من تسليط الضوء على فئة اجتماعية شبه منبوذة في المجتمع. الكاتب يتعاطف معهم، ويظهرهم بمظهر إنساني رائع، رغم أن بطل قصته لا يمتلك الشجاعة لربط أواصره بهم.

والمضمر في قصة “راقصة آيزو” هو تضامن ياسوناري كاواباتا مع هذه الشريحة الاجتماعية المحتقرة، وانتقاده الخافت لكن المرهف كحد السيف للتقاليد الطبقية في بلاده.

إن هذه القصة تذكرني بالمجتمع اليمني، الذي هو مجتمع له أعراف وتقاليد اجتماعية مشابهة إلى حد بعيد لتلك الأعراف في اليابان، فالمشتغلين بفن الغناء والموسيقى في اليمن ينظر إليهم بازدراء، والمجتمع يضعهم في أسفل السلم الاجتماعي، وهناك من يُحرِّم ويُجرِّم الزواج منهم، والمجتمع المحافظ يطلق عليهم لفظًا مهينًا (المزاينة)، وإجمالًا هناك وصمة اجتماعية ظالمة تلحق بهذه الفئة جيلًا بعد جيل.

إذن نستنتج أن قصص الحب، ينبغي أن تكشف للقارئ عن جانب من جوانب الحياة غير مرئي بالنسبة له. لقد جعلنا ياسوناري كاواباتا نرى قطعة ثمينة من العذاب البشري.

“راقصة آيزو” هي قصة قصيرة، لكنها وجبة دسمة، والطبق الرئيسي فيها لم يكن قصة (الحب)، ولكن قصة الفوارق الطبقية التي تكرس الظلم المجتمعي.

* روائي وكاتب يمني

تعليقات