وجدي الأهدل*
عنوان المقال هو السؤال الافتراضي الذي يجيب عليه كتاب “العرب واكتشاف أمريكا” للباحث المغربي د. عبد السلام الجعماطي، الصادر ضمن سلسلة كتاب المجلة العربية برقم 592، وزارة الثقافة السعودية، الرياض، 2026.
الكتاب جاء في حوالي مئة صفحة تقريبًا، وعدد المراجع التي استند عليها الباحث باللغات العربية والأجنبية يصل إلى 39 مرجعًا، ورغم وفرة المصادر، فإن ما اجتناه الباحث منها يدل على ندرة المادة التي نقَّب عنها، فما هي إلا شذرات متفرقة، وأخبار انفرد بها مؤرخ هنا وهناك.. ومع شحة البضاعة فقراءة الكتاب ممتعة، وتسد فراغًا في المكتبة العربية.
الفصل الأول من الكتاب عنوانه: “معرفة المؤرخين والجغرافيين العرب بالعالم الجديد قبل كولومبس”، وهو بحسب تقديري أهم فصول الكتاب، ويا للأسى كان أقصرها، حوالي 9 صفحات فقط، ولكن ما فيها من معلومات قيِّم للغاية، وكنت آمل لو أطال الباحث النظر في هذا الباب، واستقصى المزيد من الإشارات عن قارتيّ أمريكا الشمالية والجنوبية في كتب الجغرافيين المسلمين القدامى وخرائطهم، وفي أسفار الرحالة والبحارة العرب، الذين ذكروا بلدانًا وآفاقًا بعيدة..
معظم علماء الجغرافيا المسلمين كانوا على دراية بكروية الأرض، وفي مقدمتهم العالم الجغرافي اليماني الكبير (الحسن الهمداني) صاحب كتاب “صفة جزيرة العرب”، وهذه الحقيقة العلمية هي التي آمن بها كريستوفر كولومبس، وجعلته على يقين بأن السفر غربًا سيؤدي في نهاية المطاف إلى ضفاف شواطئ الهند الشرقية، فقام بالإبحار عام 1492 ميلادية من ميناء بالوس دي لافرونتيرا جنوب إسبانيا.
أضف إلى ذلك الأخبار المتداولة في إسبانيا آنذاك عن رحلات قام بها عرب أندلسيون إلى الأرض الجديدة. يورد د. عبدالسلام الجعماطي ما كتبه المؤرخ والجغرافي المغربي محمد بن عبدالمنعم الحميري السبتي (1329م):
“ويزعم أهل قادس أنهم لم يزالوا يسمعون أن الراكب في هذا البحر، إذا لجج فيه وغاب عنه صنم قادس، بدا له صنم ثانٍ.. (…) فإذا تجاوزوا سبعة أصنام، صاروا في بلاد الهند، وهذا مستفيض عندهم معروف، جارٍ على ألسنتهم، لم يزل يأخذه آخرهم عن أولهم”ص12.
يشير الجعماطي إلى أن أقدم محاولة عربية للإبحار غربًا (بحر الظلمات) كانت في القرن التاسع الميلادي، في عهد إمام المغرب إدريس بن إدريس (794-829م)، ويورد المؤرخ الحميري السبتي طرفًا من أنباء تلك الحملة البحرية:
“فساروا في البحر نحو شهر، حتى صاروا إلى بحر ممتاز عن بحرهم، وعرفوا ذلك بالماء، لأنهم رأوه شبهًا بالجامد، لا تخترقه السفن، مظلم الهواء، فمالوا إلى الجنوب في بحرهم، فانتهوا إلى جزيرة حدوها في السعة مسيرة عشرة أيام في مثلها، فأوقعوا بأهلها، وهم مشركون يعبدون الأصنام، فسبوا منها مقدار خمسمائة رأس، رأوا من النساء في الأجسام والجمال عجبًا، وذكروا أنهم قاتلوهم بالحجارة وقرون الغنم، ولم يكن لهم سلاح غير ذلك”ص14.
ورجح مؤلف الكتاب أن تلك الحملة البحرية قد وصلت إلى جزر الخالدات المصاقبة لساحل المغرب، وأرجح من خلال أوصاف البحر أنهم وصلوا أولًا إلى أطراف المحيط المتجمد الشمالي، فلما انحدروا جنوبًا وصلوا إلى شواطئ جزيرة آيسلندا.
وإذا راجعنا التاريخ الآيسلندي، نجد أن المسيحية دخلت إلى الجزيرة عام 1000 ميلادية، بينما الحملة البحرية العربية وصلت قبل مئتي عام من ذلك التاريخ، وكانوا قبل تنصرهم يعبدون الأصنام، وهذا يتفق مع رواية المؤرخ الحميري السبتي.
وأما جزر الخالدات فهناك إشارات كثيرة إلى معرفتهم بالإسلام منذ وقت مبكر جدا، وأن الصلات بين البر المغربي وتلك الجزر لم تكن منقطعة، وسماها الجغرافيون العرب “جزائر بحر المغرب الأقصى”، ومن ذلك ما أورده المؤلف في هامش كتابه صفحة 16:
“لقد جاء في ترجمة أبي يحيى أبي بكر بن محيو الصنهاجي المعروف بأبي يحيى السائح أنه دخل جزائر بحر المغرب الأقصى ونفع به خلقا كثيرا. كما ورد في الترجمة على لسان صاحبها قوله “وجدت في جزائر بحر المغرب أقواما لا يعرفون الإسلام، فعلمت الرجال والنساء الإسلام والشرائع ولم أفارقهم حتى كانوا يصلون صلاة الصبح”.
وفي حدود عام 1000 ميلادية خبر عجيب نقله مؤلف الكتاب عن رحلة بحرية قام بها الداعية ياسين الجزولي -والد مؤسس دولة المرابطين- في بحر الظلمات، وأنه وصل إلى بلاد واسعة، وأقام هناك في عدد كبير من أتباعه.. فهل تلك البلاد الواسعة هي أمريكا؟ لا يوضح مؤلف الكتاب أين وصلوا بالضبط، ولو من باب الترجيح، فقد أتى بالمبتدأ وترك الخبر، ولعل شحة الروايات التاريخية تبرر ذلك.
بحسب د.عبدالسلام الجعماطي فإن أول محاولة مثبتة تاريخيًا لعبور المحيط الأطلسي باتجاه أمريكا حدثت عام 1311م، قام بها (المنسا أبو بكر الثاني) سلطان مملكة مالي، ولم تعد هذه الرحلة إلى ساحل أفريقيا مجددا، ولم يعرف ماذا جرى لها..
المحاولة الثانية لعبور المحيط الأطلسي باتجاه الغرب أمر بها السلطان المريني أبو عنان فارس في حدود 1350م، فجهز سفينة ضخمة مجهزة بالمؤونة والمقاتلين الأشداء، وانطلقت السفينة تحت أمرة قائد الأسطول المغربي.. وكادت هذه السفينة أن تصل إلى شواطئ أمريكا، ولكن لسبب أراده الله لم تقطع الأميال القليلة المتبقية:
“غير أن هذا القائد البحري الذي أبحر انطلاقا من مرسى أزمور، في عباب البحر المحيط لمدة شهرين، رجع إلى المغرب دون أن يظفر بطائل، رغم أنه كان قاب قوسين من بلوغ مرامه، فقد رأى أثناء رحلته طائرًا أخضر يطير في اتجاه الغرب، وهو ما يحتمل معه أن البر الأمريكي كان على مسافة قريبة جدًا من مكان بلوغ الرحلة”ص19.
لم يصرح د. عبدالسلام الجعماطي بأن الرحلات البحرية لاستكشاف أمريكا التي قام بها المسلمون الأوائل قد نجحت في الوصول إلى البر الأمريكي، وهذا الحذر مفهوم لكونه يكتب دراسة أكاديمية تلتزم بمنهج علمي صارم، لكن الشواهد تتوالى أن الهنود الحمر قد عرفوا الإسلام واللغة العربية:
“تشير الدراسات الحديثة عن آثار وتقاليد وثقافة الهنود الحمر بالأمريكتين، إلى وجود صلة لبعضهم باللغة العربية وبالإسلام”ص19.
فإذا ربطنا بين معرفة الهنود الحمر بالإسلام وبعض مفردات اللغة العربية، نستنتج أن واحدة على الأقل من حملات عبور المحيط الأطلنطي قد نجحت في اكتشاف أمريكا ونشر الإسلام، وهو الهدف الذي انطلقت من أجله أساسًا، فإما أن تكون حملة الداعية المرابطي ياسين الجزولي عام 1000 ميلادية، أو الحملة الثانية التي قادها المنسا أبو بكر الثاني عام 1311 ميلادية.
لقد تعرضت ثقافة الهنود الحمر للمحو التام، ولذلك فإن تتبع آثار تلك الحملات الاستكشافية للمسلمين الأوائل الذين سبقوا كولومبس في الوصول إلى أمريكا قد محيت أو طمست.. وهذا أمر مفهوم، فالغرب متمسك بروايته الخاصة لتاريخ العالم، ولا يريد رواية أخرى تنسفها.
بعد اكتشاف العالم الجديد، لم يستقر اسم أمريكا في الأذهان بهذه الصيغة التي نعرفها، وكان المثقفون العرب يشيرون إليها بتسمية “بلاد الهنود الغربية”. ثم بالتدريج استخدموا ألفاظًا قريبة يوردها مؤلف الكتاب على النحو التالي: “المركان”، “مريكة”،”المركانوس”، “مريكان”.
يورد مؤلف الكتاب أول وثيقة مغربية ورد فيها ذكر أمريكا، موجهة من سلطان المغرب إلى الرئيس الأمريكي عام 1788م:
“إلى عظيم إصطادوس المركانوس البرسدنت”ص63.
كتاب “العرب واكتشاف أمريكا” عظيم الفائدة، ويسلط الضوء على جوانب مجهولة تهم المثقف العربي، وفيه أقباس تفسر أسباب نهوض الولايات المتحدة وعظمتها.
*روائي وكاتب يمني.


تعليقات