Accessibility links

Advertisements
Advertisements

عبدالباري طاهر*

يرتفعُ صوتُ السلام ويتصاعد في اليمن رغم دوي قذائف الدبابات، ورعود الصواريخ، وقصف الطيران السعودي، واستمرار المواجهات الدموية في طول اليمن وعرضها، فبعد خمس سنوات من الحرب يتضح بجلاءٍ عجْز كل أطراف الحرب عن تحقيق حسمٍ عسكري.

منذ انفجار الحرب بعد انقلاب صالح وأنصار الله في سبتمبر 2014، والعدوان (السعودي الإماراتي) في مارس 2015 الذي يقود تحالفًا عسكريًّا مسنودًا من أميركا وبريطانيا وفرنسا، ولا يزال اليمن يعاني من كارثة هذه الحرب.

منذ بدء الحرب ارتفعت أصوات تدعو إلى السلام ووقف الحرب، منددةً بغرور القوة، وأوهام الانتصار.

أصدر مناضلو الثورة السبتمبرية بيانًا يدينُ الحرب، ويُفنّد أوهام الانتصار العسكري ونشوة التفوق في العدة والعتاد، وتشكّلت جماعة «نداء السلام» مصدرةً عدة بيانات ونداءات تدعو إلى وقف الحرب، والاحتكام للمنطق والعقل، والعودة إلى الحوار السياسي، مُدينةً كلّ أطراف الحرب.

إغواء وإغراءات القوة، وأوهام الانتصار كانت الأقوى؛ فأطراف الحرب الأهلية كانت ترى أنها الأقدر على حسم المعركة، وكل طرف يعتقد أنه الأقدر على النجاح، وذاكرة كلّ طرف محشوة بالغنائم والأسلاب، والتفرّد بالسلطة، أو الاستيلاء على اليمن وتمزيقها.. التحالف بقيادة السعودية والإمارات، والذي بدأ بأكثر من اثني عشرة دولة فيها مصر، والسودان، وباكستان، ويمتلك التفوق العسكري والأموال الطائلة، كان واثقًا أنّ الحسم العسكري لن يستغرق أكثر من أسابيع، وربما بضعة أشهر، وكانت الشرعية تُعزز هذا الوهم، وتدفع التحالف للمزيد من التدخل والإيغال في الحرب.

أنصار الله المتحالفون مع علي عبدالله صالح – الرئيس السابق – وجدوا أمامهم قوة عسكرية ضاربة تُسيطر على اليمن بشطريه، وتمتلك عدة وعتادًا تستطيع الصمود والتفرد بالسلطة، وفي الأسابيع الأولى للحرب أمدت إيران أنصار الله بمعدات وعتاد عسكري قوّت أوهام الانتصار لدى الأنصار، وضاعفت من شهوة الانفراد.

رغم غرور القوة وأوهام الانتصار، واشتداد القمع والإرهاب ضد أيّ نداء أو مسعى للسلام كانت دعوات السلام تتصدى، ودعاة السلام يتنادون هنا وهناك، وكان هناك حضرموت ومؤتمرها الجامع، وفي الشمال اضطلع جماعة نداء السلام بدور في عقد الاجتماعات، وتوالي النداءات الداعية إلى السلام، الرافضة للحرب.

نداءات المجتمع الدولي، ومساعي الأمم المتحدة كانت تلقى التجاهل أو التسويف أو الالتفاف، واتهام كلّ طرف من الأطراف المتنازعة الطرف الآخر بأنه المعرقل والرافض للتنفيذ، وكانت اتفاقية استوكهولم آخر هذه الاتفاقات التي وإن خففت من حِدّة المواجهة إلا أنه لم يجرِ الالتزام بها، وكانت بداية صالحة لو جرى الالتزام بها، وتحويلها إلى أساس لهدنة تشمل اليمن كلها.

لا تزال أوهام الحرب وفوائدها وعوائدها رهان مختلف أطراف الحرب، ولا تزال نداءات أنصار السلام، والمجتمع الدولي تؤكد أن اليمن قد أصبحت أسوأ كارثة في العصر، وضحاياها تفوق الخيال.. الأطراف المتحاربة كلها – رغم اليقين بالعجز عن الحسم العسكري – تظل الأطماع تساورها في تحقيق المطالب التي عجز السلاح عن تحقيقها.

أوهام أنصار الله في التفرد بحكم اليمن – كل اليمن، وربما أوهام التمكين الإلهي في الوصول إلى ما هو أبعد من حكم اليمن – لا تزال قائمة، ولم يدركوا استحالة حكم اليمن من قِبل قبيلة أو عدة قُبُل متحالفة، كما في الماضي، وبنفس القدر استحالة انفراد طائفة أو حزب أو سلالة أو جهة بحكم اليمن؛ فاليمن لا يُمكن أن يُحكم إلا بتوافق وطني عام وديمقراطي، وباختيار الصيغة المقبولة من الجميع.

التحالف الذي تقوده السعودية تُسيطر عليه أوهام ابتلاع اليمن وتفكيكها، وخلق أدوات حكم زائفة تابعة لها وللإمارات بدعم أميركي وبريطاني.

تحت وطأة الخوف من تفشّي وباء كورونا الفاشي في العالم، والذي عجزت عن مواجهته دول كبرى كأميركا وأوروبا والصين – جدد الأمين العام الدعوة إلى وقف إطلاق النار في عموم البلاد؛ فالاهتمام الأممي أكثر إدراكًا لاستحالة الحسم العسكري.

استجابة السعودية محصورة في هدنة هشّة ومزمّنة بأسبوعين، ووضع أنصار الله ما أسموه “الرؤية الوطنية ” لوقف العدوان، تضمنت الرؤية اقتراحات حلّ شامل قريب وبعيد المدى

المبعوث الأممي الخاص باليمن كشف عن خطة سلام يقترحها على طرفي الصراع، وتتكون من ثلاثة مرتكزات: وقف إطلاق النار، واتخاذ إجراءات اقتصادية وإنسانية، واستئناف المسار السياسي.. المفارقة المرعبة أنه بمقدار ما يبرز العجز عن الحسم العسكري، أو انتصار طرف من الأطراف بمقدار ما يتصاعد العنف، ويجنح أطراف الحرب للتصعيد.

دعوات الأمم المتحدة المشكورة لوقف الحرب حتى مع قبول أطراف الحرب يتزامن معها أو يعيقها تأجيج الصراع، وتبادل الاتهامات؛ مما يعني عدم جدية الأطراف في السّلم أو الوصول إلى حلول سياسية. نقطة الضعف الخطرة أو كعب أخيل في المأساة كلها أنّ أطراف الحرب الأهلية قد ضعفت إرادتها، وأصبحت مجرد أدوات في الصراع الإقليمي (الإيراني – السعودي والإماراتي) المجير هو الآخر، أو المرتهن للصراع الدولي الساعي لتفكيك المنطقة العربية كلها، وإعادة صياغتها وفق رؤية صفقة القرن.

الثروة العربية وإنْ تمكّن أمراؤها من التواطؤ لتدمير الثورة تُستنزف الآن كقراءة الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل؛ فاستنزافها هو الهدف الرائس، وهو ما يقوله علنًا الرئيس الأميركي كثمن للحماية.

اليمنيون ضحايا الحرب ليس من سبيل أمامهم غير الخلاص من الصراع الإقليمي (الإيراني- السعودي)، وتجنيب بلادهم الكارثة الأسوأ في العصر في حرب تعني الأطراف الإقليمية والصراع الدولي أكثر مما يعني وطنهم، وتُعبّر عن نزوع تجار الحروب المحليين أعداء أمن اليمن وسلامها واستقرارها واستقلالها، والصراع بين الشرعية والانتقالي، وتكتيكيًّا بين السعودية والإمارات شاهد الفضيحة وبوار الحرب.

• نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق

  • 14
    Shares
Advertisements

تعليقات