Accessibility links

وجدي الأهدل*

باتريك موديانو روائي فرنسي حاز على جائزة نوبل للأدب عام 2014، أصدر عشرين رواية، منها رواية “مجهولات” التي صدرت عن دار غاليمار الفرنسية العريقة عام 1999، وترجمتها إلى العربية الصديقة العزيزة رنا حايك، وصدرت عام 2006 عن دار ميريت بالقاهرة.

هذا العمل الذي نحن بصدده، ليس رواية بالمعنى المتعارف عليه، ولا يلتزم بالخطة السردية التقليدية لألف باء الرواية.. فهو يتكون من ثلاث قصص لا تربط بينها حبكة واضحة، ولا حدث مركزي، ولا شخصية ثابتة تطل برأسها من القصص الثلاث، ولكن الأمر هنا يشبه سباق التتابع، حيث نرى ثلاث شخصيات، فتيات في شرخ الشباب، كل واحدة منهن تسلم العصا لمن تليها، في هروب من واقع مرير، لسن بطلات، ولم تتح لهن الفرصة من الأساس ليخضن تنافسًا يقود إلى المجد، إنما هن فتيات فرنسيات مغمورات أتين من أسر مفككة، وانتهى بهن الأمر إلى خوض رحلة الحياة كمأساة، لا فرح فيها ولا طموح، يمضين أيامهن بلا نسمة حب أو أمل.

إن الصفة العامة لشخصيات موديانو هي الضياع الوجودي. في مقابل صرح الحضارة الغربية العظيم، تضاءلت قيمة الإنسان، وصار متروكا بمفرده لمواجهة واقع قاسٍ دون معونة من أيّ أحد.

إن هناك خللًا عميقًا يضرب بجذوره في أسس المجتمعات الأوروبية، لعلي أسميه (داء التحضر المفرط)، وهذا الداء يستشري حين تركز المجتمعات على خلق بيئة تنافسية، تُكرم الفائزين وتزدري المهزومين، ترحب بالأقوياء وتلفظ الضعفاء، تفتح الأبواب للواثقين من أنفسهم وتغلقها في وجوه المهزوزين.. إنها لسنة من سنن الطبيعة أن يوجد من هذا وذاك: الطويل والقصير، السمين والنحيل، الذكي والأقل ذكاءً، المحظوظ وقليل الحظ. وفي المجتمع الإنساني يتم قبول الجميع واستيعابهم، ومد يد العون لمن تعثروا في درب الحياة.

هذا ما يريد باتريك موديانو إسماعه لنا في “مجهولات”، إنه يفهم الخلل الاجتماعي ويبرزه بصورة أدبية خالية من التزويق البلاغي، لأن تجويد اللغة لا يهمه، ولا يعنيه نحت الجمل الحكيمة التي يتسابق صيادو الاقتباسات لبروزتها في دفاترهم، إنه مشغول برسالة إنسانية سامية؛ التعاطف مع مراهقات لا يملكن حولا ولا قوة، وُلِدن لسوء حظهن في ظروف عائلية غير صحية ولا مساعدة، فوجدن أنفسهن عرضة للانتهاك الجسدي والمعنوي، وليس أمامهن للخروج من هذا الوضع المشئوم سوى الانتحار أو الانتقام بقتل المنتهك المباشر.. وأما المنتهك غير المباشر فهو المجتمع برمته، الذي ترك شرائح عديدة من المجتمع دون سند أو حماية.

الفتاة الأولى يوحي موديانو أن مصيرها النهائي سيكون الانتحار، لأنها لا تهتدي إلى مخرج يخرجها من واقعها المسدود:

“جلست في البار بمواجهة ميراي ماكسيموف ووالتر، رأيت وجهي في المرآة شاحبا كوجه غريق، لا شك أنهما لاحظا ذلك، سكبا لي كوبًا من النبيذ، لكن تعذر عليّ ابتلاع أي شيء، كانا يتحدثان، وناضلت لأحافظ على تركيزي في الاستماع إليهما، حاولت ألا أنهار، فصرت أتعلق بكل كلمة منهما وأتابع حركة شفاههما، قال والتر أنه يريد عمل تحقيق عن الأشخاص الذين يختفون في باريس.. سيحاول التقاط صور خلال الليل، في مخافر الشرطة.. لم يلاحظ شيئا.. في السجن، في المستودعات، في المشرحة.. أحسست بالغثيان، قمت مصحوبة بخوفي من الانهيار، نزلت الدرج الذي يقود إلى الحمامات، تقيأت.. لم أكن أريد العودة ثانية إلى الأعلى، أردت الخروج من المطعم خفية والسير وحيدة في الشوارع.. فتشت عن مخرج طوارئ، كما قال الجزائري، ما زلت فتاة شقراء مجهولة الهوية.. غالبا ما يطلقون على الفتيات اللاتي يتم انتشالهن من مياه الساون أو السين صفة مجهولات الهوية، أو غير معروفات.. أما أنا، فأتمنى أن أبقى هكذا للأبد”ص48.

الفتاة الثانية كانت تعمل منذ صباها خادمة في البيوت، توفي والدها وعمرها ثلاث سنوات، وتزوجت أمها رجلا آخر وتخلت عنها. انتهى بها المطاف بقتل ثري فاسق استدرجها إلى قصره الفخم بعد أن طلبها كمربيه لولديه.. لقد وصل بها الشعور بالذل والصغار إلى حد لا يحتمل، فقررت أن تنتقم أخيرا وتضع حدًا فاصلًا تثأر فيه لكرامتها:

“منزل أبيض بواجهات زجاجية، له مدخل منخفض، بيت أكثر ضخامة وفخامة من الفيلات التي عملت فيها مع خالتي في فصول الصيف.

قال لي، ونحن في المدخل، عند أسفل السلم:

– الولدان ليسا هنا هذا المساء. سيأتيان غدا من غشتاد برفقة زوجتي. سأريك غرفتك إذا أردت.

لديه تلك الصفاقة، وتلك الابتسامة التي تشعرك بأنه يحتقرك قليلا، أو بأنه يسخر منك”ص94.

الفتاة الثالثة بريطانية انتقلت من لندن إلى باريس وعمرها تسعة عشر عاما، والتحقت بجماعة ذات توجهات روحية منحرفة، أسسها شخص مهووس بعبادة نفسه وتبجيلها اسمه دكتور بود، وهذه الجماعة تشبه مئات الجماعات الروحية التي انتشرت في الغرب وصارت موضة، وكان انتماء المجهولة الثالثة لهذه الجماعة رمزًا للضياع الروحي، وفقدان الذات في هراء بلا قيمة نفسية حقيقية:

“بدأ جياني القراءة بصوت هادئ له رنين خاص يصلح لأن يكون صوت ممثل في المسرح الكلاسيكي. اكتشفت أنه كان مقطعا من كتاب الدكتور بود. يحكي عن حلم رآه عندما كان تقريبا في الحادية عشرة من عمره. كان، حتى ذلك الوقت، طفلا ككل أطفال لامبث، له أهل يشبهون كثيرا الأهالي الآخرين..

أخذ جياني يقرأ أبطأ فأبطأ. يسكت بين الجمل، حتى أصبح إيقاع النص أشبه بإيقاع قصيدة شعر. انخفض صوته حتى لم يعد غير تمتمة تهدهدني”ص146.

أحد عوامل تضفير القصص الثلاث لتكون رواية هي أنها كلها مروية بضمير المتكلم، بلسان بطلاتها الثلاث، وكأنهن شقيقات، أو ثلاث احتمالات للشخصية نفسها.. وهذه تقنية فريدة من نوعها، وربما هي ما لفتت انتباه الأعضاء في لجنة جائزة نوبل للأدب.

هل لدى باتريك موديانو ما هو أبعد؟ ليس البعد التأويلي بمستبعد، الاستعارة دليل على تمكن المؤلف من أدواته الفنية، وربما أراد موديانو التحدث عن الشعوب وقد رمز لها بصورة مراهقات، أو الشعب الفرنسي تحديدا، الذي تنوعت اهتماماته السياسية والفكرية، ولعل ردود فعل الفتيات المتفاوتة ما بين العنف المتهور والاستسلام الخاضع والمقاومة السلبية -الانتحار- هو تعبير رمزي عن تجارب المجتمع مع التيارات الاشتراكية والرأسمالية والتيار الديني المحافظ.

رواية “مجهولات ” تتكون من مئة وخمسين صفحة، نالت كل قصة ثلثًا من حجم الرواية، بالتساوي تقريبا، وهذا التنسيق الصارم في مساحة السرد، والانسجام في صوت السارد حتى يكاد يكون متطابقًا غير متفاوت، هو الذي يمنح “مجهولات” الحق في تصنيفها ضمن الحقل الروائي.

هل باتريك موديانو مجدد في فن السرد؟ برأيي هو قد فعل ذلك بطريقة مرهفة، قد تخفى على عامة القراء، ولكن لن تخفى على الخاصة.

* روائي وكاتب يمني

تعليقات