Accessibility links

رمضان في اليمن: حربٌ ظالمة وأمراض قاتلة.. وحياة مستمرة


قد يكون رمضان هذا العام في اليمن هو أشد أشهر رمضان قسوةً على الناس من حيث شدة المعاناة الاقتصادية والمعيشية في ظل استمرار حرب ظالمة، وانتشار أمراض قاتلة، تحولت معهما الحياة إلى مغامرة يقضي فيها -يوميًّا– الكثيرون؛ فقرًا وعوزًا وقهرًا ومرضًا.
(منصور/52 سنة).. يعمل في بيع الأحذية بأحد أرصفة صنعاء، لم يستطع مغادرة صنعاء لرؤية أسرته في القرية بتعز للعام الثالث على التوالي…:”.

 

صنعاء – “اليمني الأميركي” : أحمد الأغبري

 

يقول: هذا هو ثالث رمضان أقضيه بعيدًا عن أولادي؛ لأن ما أجنيه بالكاد أرسل منه مصاريف لأولادي، وأعيش منه في صنعاء، وأعجز عن توفير نفقات السفر منه، وكذا توفير الصرفة هناك بدون عمل لمدة أسبوع، خصوصًا وأن البضائع التي لديّ بالدائن”.

وعلى الرغم من أثقال الحزن التي يترنح تحتها (منصور)، إلا أنه يحاول – ككل يمني – أنْ يعيش ويتعايش مع أجواء رمضان بأقل قدر ممكن يشعر معه بخصوصية الشهر، أو هكذا يريد، مكتفيًا بمكالمة هاتفيه يسمع فيها أصوات طفليه، ويتحدث إلى (أم العيال)، التي يقول: إنها تُنهي معظم المكالمات، وهي تبكي؛ رأفة لحاله، وتذمرًا من حال البلاد التي أوصلت الناس لِأنْ يعيشوا غربة قاسية داخل وطنهم، وربما أقسى بكثير من الغربة خارج الوطن.

تحدى (منصور) مشكلات حياته، وهو أب لديه بنات متزوجات وابن يعيش وضعًا قاسيًا في السعودية؛ كونه دخل – منذ أشهر – بطريقة غير شرعية، وعلى الرغم من مشاكل البلاد يبقى (منصور) واقفًا على الرصيف بمعدل 12 ساعة يوميًّا، يوزع فيها ابتساماته لكل من يمرون عليه، ومثل هذا التحدي هو عهد كثير من اليمنيين مع أزماتهم، ويتجلى واضحًا في مناسباتهم الدينية كشهر رمضان المبارك، الذي يأتي – هذا العام – في ظل ظروف أكثر مأساوية تعيشها البلاد، وبخاصة مع انقطاع صرف المرتبات الحكومية لتسعة أشهر متوالية، يعتمد عليها مليون و200 ألف موظف، بالإضافة لأعداد كبيرة من موظفي القطاع الخاص قذفت بهم مؤسساتهم إلى الرصيف مع تراجع عجلة الإنتاج.. كل ذلك مع تدهور قطاعات الخدمات وانتشار الأوبئة تحت نيران حرب ظالمة منذ أكثر من عامين تسببت في إزهاق آلاف الأرواح، وتدمير معظم إمكانات البنى التحتية للبلد.

الواقع الرمضاني في اليمن بات مؤلمًا جدًّا، لكنه مبهج ومدهش في معاناته، ويشي بما يملكه هذا الشعب من قدرة على الصبر والتحمّل، على الرغم مما في النفس من غصص مصدرها (ضوائق المعيشة)، و(جراح الفقد)، و(مخاوف الحرب).

تصحو صنعاء ككل المُدن اليمنية متأخرة في رمضان، إذ تبدأ الحركة بملىء شوارع المدينة مع أذان صلاة الظهر، في الساعة 12 ونيف، على الرغم من أن الدوام الحكومي يبدأ من الساعة العاشرة صباحًا.. بعد صلاة الظهر يكون (منصور) قد بدأ بافتراش مكانه على الرصيف مع عربيته المتحركة وبسطته الثابتة، التي يعرض فيهما أنواعًا رخيصة من أحذية رجال ونساء وأطفال، ويوفر له ولعائلته هذا العمل أقل قدرًا ممكنًا من إمكانات العيش، حيث يصل معدل ما يجنيه من هذا العمل – يوميًّا – إلى ألف وخمسمائة ريال أو ألفي ريال يمني في أحسن الأحوال، بعدما كان العائد في رمضان – العام الماضي – يصل إلى الضعف، ومع هذا يعيش (منصور) يومه الرمضاني مبتسمًا تحت شمس الصيف حتى قبيل أذان المغرب، حيث يبدأ بتجميع بسطته والعودة بها إلى مخزن بقالة قريبة لينتقل إلى منزل تاجر من قريته، حيث يلتقي مع عدد من العمال وأصحاب البسطات لتناول الإفطار.

في المساء يستمر (منصور) في العمل لِسِت ساعات، وعلى الرغم مما ينغص عليه حياته من مشاكل كثيرة، إلا أنه يمارس حياته اليومية بحيوية شاب وروح تاجر ثري.. يعيش (منصور) يوميًّا حكايات مع الناس، وتختزن ذاكرته الكثير من الصور لمعاناة أصدقائه ووجوه ألِفها تمر من أمامه كل يوم، وأخرى يعرفها جيدًا قبل الحرب، ويدرك ما صار إليه وضعهم بعد أكثر من عامين من الحرب، إلا أنهم في رمضان يحاولون أن يُظهروا تخففًا من مشاكلهم مهما كانت، يتحدث منصور عن الناس في رمضان.

مقابل بسطة (منصور) بقالة ومتجر بهارات.. يقول: في الشارع ستجد الناس في أصرار على التعايش مع رمضان، لكن لو زرت البقالة ومتجر البهارات، وسألت أصحابها، أو تأملت الحركة فيها لوجدت فرقٍا كبيرًا، فلا زحمة ولا إقبالًا، ولو بنسبة نصف ما كان عليه الوضع في العام الماضي؛ فوضع الناس في حالة سيئة جدًّا؛ لأنهم بلا مرتبات منذ تسعة أشهر، وتحاصرهم أمراض وفقر وإيجارات وواقع صعب”.

يُعدّ وضْع (منصور)، مقارنة بوضع كثير من الناس في البلاد في مستوى لا بأس به؛ لأن غالبية الناس بلا دخل، بل إن كثيرًا من الناس – للأسف الشديد – عجزوا في رمضان، هذا العام، حتى عن شراء تمر الإفطار.. رمضان هذا العام في اليمن قاسٍ جدًّا على اليمنيين.. وتُمثّل معاناة (منصور) صورة من صور هذه القسوة، وأيضًا الإصرار على تجاوز وعورة الطريق على الرغم من ثقل الحمولة التي قصمت ظهور الكثير غيره ممن باتوا بلا دخل منذ أشهر عدة، وتوقفوا على جانبي الطريق ينتظرون مع اليمن مصيرًا مجهولًا.

ووفق التقارير الدولية فإن اليمن يعاني أكبر أزمة إنسانية في العالم، حيث يعاني فيه ( 19 ) مليون شخص من النقص الغذائي الشديد، ويواجه (7) ملايين منهم خطر المجاعة؛ وهي أزمة ناتجة عن حرب أدت إلى مقتل أكثر من (7) آلاف شخص، وإصابة أكثر من (42) ألف شخص منذ اشتعالها، قبل أكثر من عامين، والتي تسببت بنزوح مليوني شخص، ولجوء كثيرين إلى المدارس والمخيمات، في ظل نقص فرص الحصول على الخدمات الأساسية، وانخفاض مخزون الإمدادات الطبية في البلاد بشكل خطير.. ووفق تلك التقارير فإن كل 10 دقائق يموت طفل أصغر من خمس سنوات لأسباب يمكن الوقاية منها، كما يعاني أكثر من (8) ملايين شخص من نقص المياه النظيفة والمرافق الصحية، الأمر الذي يعرضهم لخطر أمراض قاتلة مثل الكوليرا، التي حصدت المئات، وأصابت عشرات الآلاف، وتهدد حياة الملايين الآن في ظل العجز عن احتواء هذا الوباء، وغيرها من الأمراض التي تُشكل تهديدًا خطيرًا لحياة الكثير في هذا البلد، الذي بات الكثير من نسائه وأطفاله يتعرضون للإيذاء والاستغلال والزواج القسري، حيث قدّر صندوق الأمم المتحدة للسكان أن معدلات العنف ضد المرأة زادت بمعدل أكثر من 63% منذ العام 2015، مما يعني أن هناك نحو (2.6) مليون امرأة وفتاة معرضات – الآن – للخطر في هذا البلد، الذي لم يلتفت العالم بعد لمعاناته والمخاطر المحدقة به.

تعليقات