Accessibility links

علي غيلان.. صورة أخرى للمعاناة اليمنية جراء الحرب


سائق الميكروباص الذي كان يُدير أكبر دار توزيع صحافية قبل الحرب…

في سياق المعاناة الإنسانية المريرة التي يتجرّعها اليمنيون جراء الحرب الدائرة، مازال “علي غيلان” كواحد من الناس يدفع ثمنًا باهضًا لتداعيات الحرب في هذا البلد المنسي. تعكس حكاية هذا الرجل صورةً من صور معاناة متوسطي الدخل الحُر جراء هذه الحرب، التي دخلت عامها الثالث، وخسر -خلالها- هذا البلد الكثير من خيرة أبنائه ومقدراته.. وما زال نزيفه مستمرًا على مرأى ومسمع العالم.

 

اليمني الأميركي: صنعاء – أحمد الأغبري

كثيرٌ من عائلات ومشاريع اليمنيين في داخل البلد تعرّضت لهزات وتكبّدت خسائرَ كبيرة بسبب الحرب المستعرة منذ آذار/ مارس 2015م، ومن هذه العائلات، وهذه المشاريع، نتوقف أمام معاناة عائلة “علي غيلان”، ومشروعه (الدار العربية للتوزيع الصحافي)، والذي كان يُعدّ أكبر دارٍ يمنية في مجالها حتى قبيل الحرب.
على الرغم من أنه قد مضى عليه في المجال الجديد والحياة الجديدة، التي فرضتها عليه هذه الحرب، أكثر من عام؛ إلا أن “علي غيلان مُحَمّد”، البالغ من العمر 42 سنة، ما زال غير قادرٍ على استيعاب ما حصل، حتى تحولت حياته وعائلته إلى ما هي عليه اليوم من مكابدة.. فبعد سنوات طويلة من الحياة الاقتصادية الميسورة تحت ظلال مشروعهم الكبير الذي كان يُدرّ عليهم دخلاً ميسورًا، ويحقق لهم نجاحًا صاروا، من خلاله، يحتكرون توزيع معظم الإصدارات الصُحفية العربية والأجنبية في اليمن.. فبعد تلك (الحياة الآمنة)، إنْ صح التعبير، وذلك النجاح الذي كانوا مبتهجين به، صار هذا الرجل يعمل وأشقائه، وحتى أولادهم، على توفير المُتطلبات اليومية للحياة المعيشية لعائلتهم الكبيرة والمكوّنة من خمس عائلات، وهي عائلات أشقائه، والذين يبلغ عدد أفراد عوائلهم 35 فردًا يسكنون، معًا، في بيتٍ واحد، وهؤلاء الأشقاء الذين كانوا يعملون – معًا – في التوزيع الصحافي قبل الحرب بدخلٍ يسير، صاروا، بعد الحرب، يتقاسمون مشقات ومرارات أعمال جديدة بدخلٍ بالكاد يغطي احتياجاتهم الضرورية.
كانت هذه الأسرة تعيش وضعًا رغيدًا في ظل ما وصل إليه النجاح الذي كان يتحقق لمشروعها، حتى أصبحت أكبر دار توزيع صحافي في اليمن، إلا أنّ نشاط هذا المشروع، بما تحقق له وما كان يدرّه على أصحابه، توقف – تمامًا – بمجرد اندلاع الحرب، لتنتظر الأسرة – تحت وقع الصدمة – وقتًا على أمل انفراجة قريبة تعود بعدها الأوضاع لسابق عهدها، إلا أنّ ذلك الانتظار طال، وبعد أن أنفقت العائلة الكثير من مدخراتها كان لا بد لها أن تُقرر سريعًا الانتقال لمجالات أعمال أخرى، بما يكفل إنقاذ حياة ذويهم من الجوع والضياع، خصوصًا بعد أن عجزوا عن استعادة معظم الديون في الأسواق المحلية جراء معاناة الناس من الحرب، ومع تضرر منزلهم وسياراتهم جراء بعض غارات طيران التحالف على صنعاء.. بالإضافة إلى عجزهم عن ملاحقة مبالغ تأمينات مستحقة لهم بالعملة الصعبة لدى دُور عربية أوقفت نشاطها خلال فترة الحرب.. يؤكد “علي غيلان”: لقد تكبّدنا خسائر تتجاوز عشرة ملايين ريال يمني في لمح البصر.. لم نتوقف كثيرًا للتفكير؛ فاشتريتُ ميكروباص للعمل عليه في نقل الطلاب، فيما تقاسم أشقائي سيارات التوزيع الخاصة بالدار للعمل عليها في توزيع وتسويق مواد غذائية ومياه معدنية وغيرها، بالإضافة إلى تشغيل الأولاد في بيع الآيس كريم في ثلاجات صغيرة تنقلها دراجات هوائية”. كل ذلك من أجل توفير متطلبات الحياة المعيشية الضرورية، ليس أكثر، بعد أن كانت، عائلات “غيلان” تنعم بدخلٍ وفير انقطع بسبب هذه الحرب التي نقلت حياة هذه العائلة – للأسف – من اليُسر إلى العُسر، ومثلها عائلات يمنية كثيرة بطول البلاد وعرضها.
بعد عامين من الحرب ما زال “علي غيلان” ذاهلاً، عاجزًا عن تصديق ما آلت إليه حياته ومشروع عمره، إذ لم يكن يتوقع أن يصبح معنيًّا بتوفير الاحتياجات العائلية الضرورية للمعيشة اليومية بعد أنْ كان وعائلته يعيشون حياة ميسورة حتى اندلعت الحرب في بلاده؛ لتمر حياتهم بمنعطفٍ قاسٍ ما زالوا يتجرعون مرارته يوميًّا.. يقول، وهو يقف أمام الميكروباص عقب عودته من نقل طلاب المدرسة: “لم أكن أتوقع أنني سأعمل سائقًا لميكروباص؛ وهو عمل شريف أعتز به، لكني أقول ذلك مقارنة بما كنتُ عليه، حيث كنتُ أكتفي بإدارة شؤون التوزيع والتواصل مع الدُور الصحافية الخارجية، ومراجعة الحسابات بالعملات الصعبة.. بينما صارت الحياة، الآن، مريرة وبسيطة تنحصر في الذهاب لنقل الطلاب والعودة ظهرًا إلى البيت مع أخوتي الذين يعملون بسيارات أخرى”.
مع اندلاع الحرب في البلاد توقفت حركة الطيران من، وإلى اليمن، وتوقف معها شحن الإصدارات الصُحفية العربية والأجنبية لتوزيعها في هذا البلد، وحتى بعد عودة جزئية لحركة شركة الطيران الوطنية لم تستأنف الدُور الصحافية إرسال مطبوعاتها لليمن؛ وعليه فقد تسبب هذا في إيقاف أنشطة مكاتب ودُور التوزيع الصحافي في اليمن، والتي كان عددها خمسًا، ومقراتها – جميعًا – بصنعاء، وانحسرت لاحقًا في ثلاث.
كان الشاب “علي غيلان” يعمل مع أشقائه لدى دار توزيع أخرى منذ العام 1995م، ليعلنوا في العام 2001م تأسيس دار توزيع خاصة بهم، والتي بدأت نشاطها بتوزيع ستة إصدارات عربية، ووصل نجاحها – لاحقًا – إلى احتكار توزيع ثمانين إصدارًا صحافيًّا عربيًّا وأجنبيًّا قبيل الحرب.
تسببت الحرب الراهنة في إيقاف أعمال قطاع التوزيع الصحافي في اليمن.. وتُمثل معاناة هذه الدار أنموذجًا للخسائر التي تكبدها هذا القطاع الواعد جراء الحرب.. وعلى الرغم من ذلك يقول “علي غيلان”: مازال يحدونا الأمل في انتهاء هذه الحرب واستئناف نشاط الدار، ولهذا أبقينا تأميناتنا لدى المؤسسات الصحافية الخارجية على أمل أن يطوي اليمن صفحة الحرب قريبًا.
وهنا نبتهل بالدعاء إلى الله أن يرأف ببلادنا ويتجاوز بها منعطف هذه الحرب والمعاناة الإنسانية التي لم يلتفت إليها العالم!”.

 

تعليقات