Accessibility links

وجدي الأهدل*

متى بدأ الأدب؟ أقدم الأعمال الأدبية المتاحة للمطالعة تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، وهي النصوص المسرحية التي كتبها اليونانيون، أمثال سوفوكليس وإسخيلوس ويوربيديس وغيرهم.

بالتأكيد أن مختلف شعوب العالم أنشدت الأغاني الدينية الشعائرية منذ أقدم الأزمنة، ونحن نعرف الآن الترنيمات والأشعار السومرية (2600 ق.ب) والمصرية القديمة (2400 ق.ب)، وملحمة جلجامش (2100 ق.ب)، وسواها من النصوص التي نجح علماء الآثار في اكتشافها وبعثها للحياة من جديد.

من باب التقريب نستطيع القول إن الأدب المكتوب الذي أنتجته البشرية البالغ من العمر خمسة آلاف سنة قد وصل إلى نهايته في قرننا هذا، وسيؤرخ العلماء أن أولى إرهاصات انقراض الأدب البشري قد بدأت تحديدًا في عام (2026).

نعم، كما قرأتم، سوف ينقرض الأدب البشري، ويحل محله (الأدب الاصطناعي) الذي يبدو أنه سيتفوق على الإبداع البشري بأشواط هائلة.

سوف ينجح الذكاء الاصطناعي في كتابة قصص وروايات مذهلة، عالية الجودة، مبهرة، تتخطى قدرات العقل الإبداعي البشري المحدودة.

نحن الجيل التعيس الحظ الذي سيرى بعينيه النهاية المحزنة للنشاط البشري المسمى بـ(الأدب).

لقد حدث زلزال عظيم في عالم الأدب إذا لم تكونوا تعلمون:

أصدرت دار غراسيه رواية للكاتب الكندي من أصول هاييتيه تيليسون أوريليان عنوانها “كان هذا أو الموت”، وحققت الرواية رواجًا عظيمًا، وباعت 35 ألف نسخة، ورشحت لأرفع الجوائز الأدبية مثل غونكور وفيمينا وميديسيس ورونودو، وتم التعاقد بالفعل لترجمتها إلى عشرات اللغات.

ثم فجأة موقع مجهول في إكس ينشر تقريرا أنه عرض مقاطع من الرواية المذكورة على أداة (pangram) كاشف الذكاء الاصطناعي الأكثر موثوقية بنسبة خطأ لا تتجاوز 0.0041

يؤكد أن الرواية مكتوبة بنسبة 100% بواسطة الذكاء الاصطناعي.. وأحدث هذا صدمة في العالم أجمع.

تقول الروائية المصرية منصورة عزالدين تعليقًا على ما حدث:

(الواقعة تثير أسئلة أبعد، فلو افترضنا أن رواية “كان هذا أو الموت” قد كتبت فعلا بمساعدة أحد نماذج الذكاء الاصطناعي، فكيف مرت على محرري دار نشر شهيرة؟ وكيف حققت هذا النجاح الباهر، لتباع حقوق ترجمتها لأكثر من عشرين لغة، وتصل لقوائم جوائز أدبية مهمة؟ هل بلغت تلك النماذج درجة من التطور تمكنها من كتابة أعمال أدبية توصف بأنها “استثنائية ورائعة بكل المقاييس” و”أكبر من الحياة” و”تحدث صدمة قرائية” كما وُصفت رواية أوريليان؟ أم أن ذائقة المتحكمين في المشهد الأدبي تعاني من خلل كبير؟) أخبار الأدب.

هذه التساؤلات التي تطرحها منصورة عزالدين هي لسان حال العالم كله، ويبدو أن الحقيقة التي لا مفر منها أن الذكاء الاصطناعي قد أظهر نبوغًا في كتابة الرواية، وخلال أعوام قليلة ستتعاظم قدراته الإبداعية مئات الأضعاف، وسيكون بإمكانه كتابة روايات عظيمة تحصد الجوائز الكبرى ويتابعها ملايين القراء.

في المستقبل القريب سوف يمكن لمراهق في الإعدادية أن ينزل كل يومين أو ثلاثة رواية مكتوبة بالذكاء الاصطناعي، ويحصد ملايين المتابعين والقراء.. بالطبع سيكتب على الغلاف أنها مكتوبة بواسطة الذكاء الاصطناعي، وأعتقد أن هذا سيكون قانونيًا، وسوف يتقبل الناس هذا الإبداع الجديد، ضمن سياق أكبر تفرضه التغيرات التي ستحدث في العالم بواسطة الذكاء الاصطناعي في كافة مجالات الحياة.

من المحتمل أن تستغني البشرية عن الروائي البشري، وتستبدله بروائي من أحد نماذج الذكاء الاصطناعي، وهذا يعني أن تحصل كل عائلة أو حتى الفرد الواحد على الروائي الخاص به، الذي يوفر له احتياجاته من روايات وقصص وأشعار، ويتم الاستغناء تمامًا عن خدمات الأدباء البشريين.

هذا ليس خيالًا علميًا، ولا تنبؤًا بواسطة التنجيم، إنه مسار حتمي، ونحن قد دخلنا فيه بالفعل، ولا مجال للتراجع إلى الخلف.

ما هو الحل لكي يستمر الأدب البشري؟ وكيف يمكن لبعض المجانين التمسك بكتابة الأدب؟

الحلول ستظهر بالتدريج مع تقدمنا في العالم الجديد الذي ستخلقه ثورة الذكاء الاصطناعي.

أحد الحلول التي تخطر ببالي هي أن يكتب الروائي روايته بخط اليد -وآمل أن يكون حسن الخط- وينشرها دون تنضيد، فتصدر من المطابع بهذه الهيأة، كمخطوطات القدماء.

ولكن حتى هذا الحل يمكن الالتفاف عليه، فيطلب أحدهم من الذكاء الاصطناعي كتابة رواية عن كذا وكذا، ثم يعيد كتابتها بخط يده.

المؤكد أن الهوس العالمي بكتابة الرواية سينطفئ.

لدينا الآن جيش من الروائيين يقدر عدده بعشرات الآلاف، موزعين على كافة بقاع الأرض، يخوضون صراعًا يوميًا لإنتاج روايات جديدة مبتكرة مدهشة، لكن هذا الجيش العرمرم سوف يهزمه الذكاء الاصطناعي، ويجبرهم جميعًا على إلقاء سلاحهم والاستسلام لهزيمة تاريخية ساحقة.

من هذا العام فصاعدًا، كل كتاب أدبي جديد يصدر سيكون محل شك، غير موثوق أنه إنتاج بشري مئة بالمئة، وسوف يوضع في تصنيف منفصل عن الأدب الإنساني الذي أُنتج في العصور السابقة.

ربما حتى في المكتبات سيظهر هذا التمييز بين الأدب المكتوب قبل الذكاء الاصطناعي وما بعده.

إنني أتوجس أن أحد أكثر الكوابيس رعبًا قد صار على مرمى حجر:

العالم يخلو من الأدباء، والذكاء الاصطناعي هو الأديب الوحيد لأنه لا أحد يُشكك في أصالته!

* روائي وكاتب يمني

تعليقات