Accessibility links

وجدي الأهدل*

حين نقرأ كتاب “أبو الروتي” السيرة الذاتية للشاعر والمسرحي عبد الكريم الرازحي، نرى صورة بلادنا وحكايتها في منتصف القرن العشرين، فهذا الصبي الذي أرسلته جدته من قرية نائية في تعز إلى مدينة عدن وحده وهو في العاشرة أو دونها، ليشق طريقه في الحياة، يشبه اليمن ذاتها، التي عانت الكثير من التخبط والأذى والسخرية وهي تشق طريقها من العصر الحجري إلى العصر الحديث.. وكانت تساؤلات الولد “أبو الروتي” عن أسماء الأشياء الجديدة التي يراها لأول مرة في حياته وماهيتها، كالسيكل والآيسكريم والسينما، تذكرنا بحال اليمنيين الذين خرجوا فجأة من قراهم المعزولة في الجبال، واحتكوا لأول مرة بالعالم المعاصر واختراعاته.

صدر كتاب “أبو الروتي” عن دار عناوين بوكس بالقاهرة (2026)، في قرابة مئتي صفحة من القطع المتوسط، وتقييمي له -وهو تقييم شخصي ذوقي- يعد أفضل ما كتب في فن السيرة الذاتية على مستوى الأدب اليمني.

عبد الكريم الرازحي هو أستاذ كبير في فن الكتابة، وما دخل في نوع أدبي إلا وشكلت مساهمته إضافة مهمة وارتقاءً في درجات الفن الرفيع. فقد كتب الشعر الحديث وأجاد وفاق أقرانه. وكتب النص المسرحي ونجح في تحقيق المعادلة الصعبة: النجاح الجماهيري والنص الجاد الذي يحمل رسالة أخلاقية. وكتب القصة القصيرة بأسلوب يحمل بصمته الفنية التي لا تتكرر، وابتكر عوالم هي مزيج سحري ما بين الواقع والخيال. وهو فارس المقالة الساخرة، فمن ذا يُجاريه في هذا المضمار. والآن ها هو ذا يكتب سيرته الذاتية “أبو الروتي”، ويضيف للمكتبة اليمنية والإنسانية كتابًا ثمينًا يؤرخ ما كان عليه اليمني وبلاده في النصف الثاني من القرن العشرين.

كتب السياسيون اليمنيون سيرهم الذاتية، وهي سير ذاتية أشبه بوثائق سياسية وشهادات، وليس فيها ما نرجوه من الفن، ولا هي تتوخى هذا المقصد أصلًا، فالسياسي مشغول بتجميل نفسه والدفاع عن أيديولوجيته. وأما الرازحي فكان نقيضًا تامًا لهم كلهم، فقد أبرم مع القارئ ميثاقًا أساسه الفضح والتعري وكشف جوانب ضعفه، التي هي موجودة فينا كلنا دون استثناء، فلا أحد ولد كاملًا من بطن أمه، أو بطلًا خاليًا من الهزائم، فهذه سيرة إنسان حقيقي وضعها بين أيدينا دون تجميل أو تغطية.. الرازحي لم يفخر بنفسه، ولكنه سخر منها، لم يدّعي العظمة وأظهر المواقف التي تعرض فيها للمهانة والإذلال.. لقد نزع عن نفسه كل الأردية التي تستخدمها النفس للتستر على العيوب والنقائص والزلات.. ثمة صفحات يجعلنا نضحك عليه، وثمة صفحات يجعلنا نبكي معه.. وعندما ننتهي من قراءة السطر الأخير في الكتاب ندرك فجأة أن هذا الذي جرَّد نفسه من كل مظاهر العظمة، قد أسبغنا عليه نحن القراء تلك الصفة، ونحدث أنفسنا بأنه كاتب عظيم.

يقول السياسي عندما يكتب سيرته الذاتية أنه ذو شأن عظيم، وأما القارئ الذي يقرأ كتابه فلا يخرج بهذا المعنى، وإنما يشم من رائحة الكتاب الأنا المتضخمة والانتهازية والوصولية وسائر ألعاب الخفة التي يمارسها الحُواة لخداع الجماهير.

 أكمل الطفل عبدالكريم دراسة الصف الثالث ابتدائي في قريته، وسافر إلى عدن ومعه شهادته ليدرس الصف الرابع الابتدائي في مدرسة النصارى.. كما أوصته جدته:

“وراح (شباطة) يسأل السائق، والسائق يحكي له كيف أنه طاف شوارع عدن بسيارته، ومر على المخابز والأفران يسأل عن أخي سيف، وكيف أنه في الأخير أوصلني إلى مخبز في سوق الاتحاد. وعندما انتهى قال مخاطبا شباطة، وهو منفعل:

– أيش من ناس هولا يخلوا ابن جاهل ينزل عدن وحده!!

حينها التفت شباطة ناحيتي التفاتة غاضبة، وقال لي:

– كيف تنزل عدن وحدك؟

قلت له:

– يا شباطة، أنا أسرح للراهدة بعد الحمار وحدي، وارجع بالليل وحدي.

فثار شباطة، وصرخ قائلا:

– أنت باين عليك حمار ما تفهم.. هذي عدن.. عدن.. مش هي الراهدة.. والله لا يخطفوك عيال الحرام، ويشلوك لا ساحل أبين يخنّثوك.. ولو سلمت من عيال الحرام، بايخطفوك الجبرت ويودّوك بنجلة الشيطان”ص34.

واحدة من الأمور التي لفتت نظري في الكتاب هي اللغة، ولعلنا لاحظنا في المقتطف الذي أوردناه البراعة التي امتلكها الرازحي في المزج بين الفصحى واللهجة الدارجة، فأتى النص حلوًا وشهيًا للقراءة، ومطابقًا لقاعدة الصدق الفني، فهكذا تكلمت الشخصيات بالفعل، وهذه لغتها، وهكذا مستوى تفكيرها، وهذه المفردات ممتزجة بها كامتزاج اللحم بالعظم. ولو أن الرازحي تكلّف -مراعاة للقارئ العربي الذي لا يفهم العامية اليمنية- وكتب الحوارات بالفصحى، لفسد المعنى، وتداعى المبنى، فإذا بالألفاظ الفصيحة تصبح متقعرة، والكلام باردًا فاقدًا للحرارة، وكأن من ينطق بها أصوات أموات قد أتوا من عصر آخر.

هذا لا يعني أن الرازحي ينقل الحوارات وينسخها كما هي بالحرف من ذاكرته، ولكنه يجري عليها التشذيب الضروري لتكون مقبولة للذوق، وقد يُبدل كلمة مكان أخرى، إذا رأى أن ذلك لا يُخل باللسان الذي ينطق بتلك الكلمة.. ومن يقرأ الكتاب يدرك أن ثمة كلمات شائعة على ألسنة العوام لم يدرجها المؤلف في كتابه.

مكث عبدالكريم الرازحي خمس سنوات في عدن ثم عاد إلى قريته، وفي كتابه “أبو الروتي” يتحدث عن تلك السنوات التي عمل فيها خبازًا إلى جانب مواصلته تعليمه. سنوات مليئة بالمغامرات والمعاناة، وتزامنت مع استقلال اليمن الجنوبي والصراع بين جبهة التحرير والجبهة القومية، ثم سيطرة الجبهة القومية وانفرادها بالسلطة.

بعد شهر واحد غادر الرازحي قريته واتجه إلى الحديدة، والتحق بالجيش وذكر أنه صار جنديًا براتب قدره 75 ريالًا.. ثم عند هذه النقطة ينتهي الكتاب.

جاد علينا عبدالكريم الرازحي بخمس سنوات فقط من سيرته حياته، وبالتأكيد أن لدى “أبو الروتي” كميات وفيرة من الروتي الساخن ما يزال يدخره في سلته.

* روائي وكاتب يمني.

تعليقات