
عبدالله الصعفاني*
زماااان.. شاركت في دورة تدريبية في التعليق الرياضي التليفزيوني على مباريات كرة القدم.. وحاضر في هذه الدورة كوكبة من كبار المعلقين الرياضيين الخليجيين والعرب، منهم المصري محمد لطيف، والسوري عدنان بوضو، والأردني محمد جميل عبد القادر، والسعوديان زاهد قدسي وعلي داوود.. وكان من ضمن برنامج الدورة التي أقيمت في الرياض، تطبيق وتقييم ما تعلمناه، بالتعليق على مباراة في الدوري السعودي، كان نادي الهلال طرفًا فيها.
* عندما أمسكتُ مايكرفون التعليق لأول وآخرها، أخذتني حماسة المعلقين وأنا القادم من الصحافة الورقية.. وبعد التحية والسلام لجمهور المشاهدين الافتراضيين استعنتُ بِجُمل تعليقية جميلة كان يرددها المعلق الرياضي اليمني الكبير علي العصري، رحمة الله عليه.. ولم أنسَ حينها أن أختم التعليق بأن أعود بالمشاهدين والمستمعين إلى الزملاء في الإذاعة والتليفزيون..!
* في صباح اليوم التالي.. شَهِدَت قاعة المحاضرات وقفة تقييمية لأدائنا كدارسين، شعرتُ حينها بقشعريرة الجمال والإبداع وأنا أسمع معلقين كبار يتحدثون عن جمال استخدامي عبارة “راية وصفارة” في تعليقي عن مواقف تسلل في المباراة؛ لأن عبارة راية وصفارة كما قالوا هي وصف مثير وذكي يعبِّر عن حالة الانسجام بين صفارة حكم الساحة ومساعديه، حاملي الراية لضبط التسلل أو الشرود كما يقول أشقاؤنا المعلقين من المغرب العربي.
* ولم تكن “راية وصفارة” إلا واحدة من الجمل التعليقية الجميلة التي كان زميلنا المرحوم علي العصري يرددها من كبينة التعليق في ملعب الشهيد الظرافي في صنعاء، وهو ينقل لعشاق الرياضة أحداث مباريات دوري الأندية أو مباريات المنتخبات الوطنية.
* إنها نقطة من بحر تميُّز علي العصري، المعلق الرياضي الذي ودعناه صباح اليوم الأحد في موكب جنائزي غفير من محبين ازدحم بهم الشارع الممتد من جامع الصلاة عليه إلى مقبرة مواراة جثمانه.
* أما.. ماذا يمكن إضافته ولو اختزالاً عن رحلة علي العصري، اللاعب، والإعلامي، والمعلق، ومقدم البرامج الرياضية ، وقارئ نشرات الأخبار فالحديث يطول.
* في الملاعب، كان علي العصري أحد المدافعين الأشداء في صفوف نادي وحدة صنعاء، في زمن رياضي جميل بإثارة الملاعب، وجميل باللعب لإشباع الهواية، وجميل بالانتماء إلى الأندية بقوة دفع رباعية عنوانها “محبة النادي والدفاع عن قمصانه بعيدًا عن الفلوس وسنينها وكابيناتها.. وحتى لصوصيتها”.
* وفيما كان علي العصري يجمع بين الأداء الرياضي في الملعب، وبين التعليق على المباريات، ارتفع أوار المنافسات، وكان عليه أن يختار بين لعبة “الرأس والقدم وبين المايكرفون والقلم”، فغادر مستطيل الملاعب إلى منصات التعليق، وتقديم البرامج الرياضية الإذاعية والتليفزيونية، وأولها برنامج أستديو الرياضة.
* شخصيًا.. لم يكن مزاجي الرياضي يعتدل إلا بسماع تعليق علي العصري على كل مباراة أستمع إليها، عبر أثير الإذاعة والتليفزيون.. وهناك من الجمهور من كان يُحضر الراديو إلى المدرجات ليرى أحداث المباراة بصوت العصري.
* دِقّة وصف ينقلك بها بين مربعات الملعب، فتكون بحق الحاضر حتى وأنت غائب..!
جمال الوصف.. قدرة على إثارة حماس المتابعين مع كل هجمة، وكل مرتدة، وكل هدف، وكل فرصة ضائعة بين أحضان الحارس أو قوائم المرمى، أو حتى ضائعة في الهواء القريب أو البعيد..!
* وعندما كان اتحاد إذاعات الدول العربية ينقل تغطيات موحدة للمنافسات العربية والأولمبية والعالمية إلى الجمهور العربي كان علي العصري هو من يمثل اليمن باقتدار، ليس في كرة القدم وإنما في مختلف الألعاب الرياضية.
* إنه علي العصري.. الإعلامي الذي حزن لمرضه ورحيله اليمنيون في الوطن وبلدان الاغتراب والمهجر.
وعلى سبيل المثال.. ها هو الكابتن رشيد النزيلي، رئيس التحرير، الذي يترك للمحررين حرية اختيار موضوع وموعد الكتابة، يكتب لي في قلب الرحيل الحزين:
“أنتظر منك مقالاً عن الدور الإعلامي المسموع والمرئي للمرحوم علي العصري، وهو أقل واجب مني ومنك..”.
* ثم ماذا يا زميلنا الراحل الكبير..؟
ماذا أيها الصوت الإعلامي الذي يصعب نسيانه…؟
ستبقى الصوت الإعلامي الذي لن ننساه.. الصوت الذي جَذَب انتباه المستمعين والمشاهدين في زمن كانت فيه الإذاعة ملاذ كل بيت نحو الإمتاع حيث “الأذن تعشق قبل العين أحيانًا..”.
* لقد اكتسب علي العصري ثقة واحترام المتابعين باختياراته الجيدة، بذكائه، بجهده والتزامه وإبداعه، وبالسمعة الشخصية الرياضية والإعلامية التي لن تغيب عن كِتاب التاريخ.
* علي حمود العصري.. رحمة الله تغشاك.. واللهم رضوانك وجنتك.
* ناقد رياضي يمني


تعليقات