بقلم/ محمد رزق
لا أستطيع الادعاء بأنني عرفت إسماعيل أحمد شخصيًا، ولكن كما يقول المثل العربي: “الأثر يدل على المسير”. حين حضرت حفل تأبين الراحل إسماعيل أحمد في الثامن من فبراير في مسرح مايكل غيدو، ذهلت بحجم الأثر الذي تركه خلفه. فبمجرد دخولي المسرح الذي يتسع لـ1200 شخص، لم يدهشني الحضور الحاشد فحسب، بل لفت نظري التنوع المذهل؛ فقد كان هناك الأمريكيون العرب والأفارقة واللاتينيون والبيض، مسلمون ومسيحيون ويهود، اجتمعوا جميعًا تحت سقف واحد. ورغم اختلاف خلفياتهم ومعتقداتهم، جمعهم رابط واحد هو التقدير الكبير لحياة إسماعيل أحمد والإرث العظيم الذي خلفه.

على الرغم من أن البرنامج كان مقررًا لساعتين، فإن المسرح امتلأ عن آخره قبل موعد البدء بوقتٍ طويل. وحين امتدّ إلى ثلاث ساعات كاملة، ظلّ الحضور في إنصاتٍ عميق، يرهفون السمع لكل كلمة، بينما تعاقب المتحدثون على سرد حكاياتٍ لعلّ كثيرًا منها يُروى على الملأ لأول مرة. وكحالِ كثيرين ممن حضروا، خرجتُ متأثرًا بعمق، مدركًا أن حياة إسماعيل كانت درسًا بليغًا في نوع نادرٍ من القيادة.
في عام 1973، شارك إسماعيل أحمد في تأسيس المركز العربي للخدمات الاقتصادية والاجتماعية (أكسس)، ثم تولى منصب مديره التنفيذي في عام 1983. وامتدت قيادته لتشمل القطاع العام، حيث شغل منصب مدير دائرة الصحة والخدمات الإنسانية في ولاية ميشيغان من عام 2007 إلى عام 2011. ومع ذلك، وبعيدًا عن هذه الألقاب، دافع إسماعيل عن كل من سُلب صوته. لقد واجه المفاهيم المغلوطة برقيّ، متخذًا من الحب واللطف والموسيقى أدواته الأساسية لخلق جو من التناغم حول كل من عرفه أو عمل معه. كانت حياته تجسيدًا حيًا لانسجام نادر بين القلب الكبير والإرادة الحديدية.. رجل سعى بلا هوادة لتحقيق العدالة، حتى عندما تطلّب الأمر تضحية هادئة بوقته وحياته الخاصة.
في ثقافة قيادية غالبًا ما يهيمن عليها الغرور، حيث يفرض التسلسل الهرمي على الجميع خدمة شخص واحد في القمة، قدّم إسماعيل أحمد نموذجًا أكثر ديمومة: قيادة ‘الفرد في خدمة الجميع’. سواء في المؤسسات التي قادها أو تلك التي كان جزءًا منها، لم يكن نهجه يومًا يهدف إلى بناء منصة لنفسه، بل إلى إنشاء أنظمة تخدم الفئات المهمشة. لقد رفض نموذج ‘الكل للواحد’، حيث تدور الموارد حول شخصية واحدة، مدركًا أن القوة الحقيقية تنبع من توزيع السلطة وتمكين الآخرين.
ولا يوجد ما يجسد هذه الفلسفة أفضل من تأسيسه لمهرجان “حفل الألوان” (Concert of Colors). فمن خلال هذا المهرجان المحبوب، استخدم الموسيقى جسرًا للوحدة بين الثقافات. لم يكتفِ بالدفاع عن العرب الأميركيين فحسب، بل خلق مساحة لكل الأصوات، ليثبت أن الفن يمكنه تغيير الأحكام المسبقة وجبر الانقسامات العميقة. بالنسبة لإسماعيل، كانت الموسيقى هي اللغة العالمية للكرامة الإنسانية. وهكذا تجلّت سمات رجلٍ استثمر في الإنسان والمؤسسة معًا، ليضمن أن يستمر عطاؤه بعده طويلًا. لم يلهث وراء لقبٍ أو سلطة، بل نطق بالحقيقة بثباتٍ وصدق، فاستقرت في القلوب قبل العقول، ومنحته ثقة الناس فقادهم لا من الاعلى، بل من الصفوف الأولى.
لقد فقد المجتمع الذي كرّس إسماعيل حياته لبنائه قلبًا نابضًا وروحًا جامعة، وسيبقى أثر غيابه شاهدًا على عِظَم حضوره. وإننا ندين بامتنان عميق لعائلته التي شاركتنا بكل سخاء هذا القائد الفذ. ونحن ندرك تمامًا أن خدمته العامة جاءت غالبًا على حساب لحظاته الخاصة مع أحبائه، والمجتمع ممتن للأبد لتلك التضحية.
إن عزاءنا في رحيله هو ذاك الأثر الخالد؛ فإرثه ونهجه القيادي سيظلان شعلة تضيء الدرب للأجيال القادمة. لقد غرس فينا يقينًا بأن القيادة الحقيقية لا تتربع على قمة الهرم، بل تتجلى في الارتقاء بالناس كجسد واحد. وفي زمنٍ يلهث وراء بريق الظهور وعدد المتابعين، يأتي إسماعيل ليذكرنا بأن القائد الحق هو من يهب الآخرين صوتًا وفرصة. وبفضل قلبه الكبير وفلسفته التي آمنت بـ ‘الفرد من أجل الجميع وليس الكل من أجل الفرد’، أصبح بإمكاننا اليوم أن نختار النهوض معًا.


تعليقات