وجدي الأهدل*
في معرض الشارقة الدولي للكتاب (نوفمبر 2025) التقيت بروائية فرنسية اسمها فابيين هيربان، كانت تبحث عن ناشر عربي لنشر النسخة العربية من روايتها “تحت قبة سقطرى”، فاتفقت معها أن تنشر دار عناوين بوكس اليمنية روايتها المذكورة.
رواية “تحت قبة سقطرى” صدرت بلغتها الأصل الفرنسية عن دار لارماتان العريقة، وفازت بجائزة مرموقة في فرنسا، وقدمها جاك لانغ رئيس معهد العالم العربي.
وهذه الرواية هي الجزء الثالث من ثلاثية روائية، الجزء الأول تدور أحداثه في جزيرة بروناي، ولم يترجم إلى العربية حتى الآن، والجزء الثاني ترجم إلى العربية ونشر بعنوان “أبواب المحال”.
ترجم الرواية إلى اللغة العربية د. جساس أنعم، وهو باحث ومترجم يمني مقيم في باريس، حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب والترجمة من جامعة السوربون. وهو كذلك مترجم رواية “أبواب المحال” التي تدور أحداثها في عُمان.
الرواية تتحدث عن شابة فرنسية اسمها (فلور) اختفت أمها منذ ميلادها، وعندما بلغت العشرين من عمرها، قررت البحث عنها، فأعطاها جدها وهو يحتضر تلميحات قد تساعدها في الوصول إلى أمها التي كانت تحب الأشجار النادرة والفريدة من نوعها. استنتجت فلور أنها ستجد أمها في جزيرة سقطرى.. ولن أشرح المزيد لأترك الفرصة للقراء للاستمتاع بقراءة هذه الرواية الفاتنة.
العقل الأوروبي يدهشني ويحيرني، تمر تحت يدي العشرات من الروايات اليمنية والعربية وأشعر أن فيها شيئًا مفقودًا، على الرغم من أن كل شيء يبدو على ما يرام: اللغة جزلة، الشخصيات نابضة بالحياة، والتلاعب بالزمن يجري بكفاءة، والتفاصيل متواترة، وكافة الحيل السردية الأخرى مصطفة كحرس الشرف اللائق باستقبال القارئ كملك، إلا أن هناك خللًا ما يعوقها عن تحقيق رتبة الفن الذي يحقق شرط التطهير.
حين قرأت رواية “تحت قبة سقطرى” عثرت على السر الذي يميز الرواية الخالدة عن الرواية الفانية، إن جاز لي هذا التوصيف.
تبدو الرواية ظاهريًا مجرد ثرثرة كتبتها سائحة فرنسية عن زيارتها لجزيرة جميلة في المحيط الهندي.
القارئ العجول قد يحسبها رواية من نوع أدب الرحلات، أو عملًا سرديًا سطحيًا ضئيل القيمة.. لكن القارئ المتأني المتأمل سوف يكتشف مذهولًا أن المؤلفة قد اصطادت في شبكتها الحوت الأعظم الذي جاب المحيطات!
كيف نجحت في ذلك؟ ولماذا أخفق كثيرون خاضوا في كتابة الرواية ولم تقع في شباكهم سوى صغار السمك؟ سأعطي إشارات سريعة قد لا تشرح تمامًا المعاني البعيدة الغور..
المسلم يحج إلى مكة، واليهودي والمسيحي إلى القدس، والهندوسي إلى نهر الغانج المقدس، والمجوسي إلى جبل النار في أذربيجان، وهكذا نعلم أن الحج قيمة مركزية في كل الأديان.
أفلا يخطر ببالنا هذا السؤال: وهل على الملحد حج؟ وإلى أين يحج؟
الجواب قطعًا نعم! لأن الحج غريزة في الإنسان، ولا يكتمل نموه الروحي إلا بالحج.
الملحد واللا ديني وما شابه من التوصيفات، قد يختار عنصرًا من عناصر الطبيعة ليحج إليه، فمنهم من يختار عنصر الماء أو النار أو الصخر -الأوثان- أو الأشجار ونحو ذلك.
وبطلة الرواية (فلور) وقع اختيارها هي وأمها على الأشجار، وعلى شجرة دم الأخوين تحديدًا، وهذا الاختيار مقصود بوصفها الإله المعبود، حتى وإن لم يوافق العقل المادي على هذه العبادة، لأن العقلاني لا يفهم المسارب الخفية للنفس البشرية.
رحلة الحج هي محور رواية “تحت قبة سقطرى” والطبقة المخفية تحت سطورها، بل إن طقس التضحية الوثني موجود فيها، فإذا كان الحاج المسلم يضحي بأضحية حيوانية، فإن السياق في لا وعي المؤلفة اختار التضحية بحبيب بطلة الرواية، وهو العماني (جمال) الذي رافقها في رحلتها إلى سقطرى وغرق في البحر.
لقد مرت (فلور) بكافة طقوس الحج دون قصد منها، ودون أن نشعر نحن القراء أنها تمارس شعائر حج روحي غير مفهوم وموغل في القدم.
أنا مثل غيري من القراء أتساءل ما فائدة قراءة الروايات؟ رواية “تحت قبة سقطرى” والنماذج العليا من الأدب تقدم لنا الجواب: معرفة كيف نتطور روحيا.
إن هناك من يقرأ أكوامًا من الكتب ولكن روحه تظل تتخبط في الظلمات، وهناك من يجني ملايين الدولارات، ولكنه يقع فريسة للخواء والكآبة والانطفاء الروحي التدريجي.
الحج والطواف والتضحية طقوس شديدة الأهمية في حياة الإنسان، بل الحدث المركزي في حياته، وعليه أن يقوم بها مرة واحدة على الأقل في العمر.. الإنسان مبرمج في ولاعيه للقيام بهذه الرحلة.
وهذه الرحلة هي في الأصل اختيارية، إذا استمع الإنسان إلى النداء النابع من داخله بالطبع، فإذا أبى الإنسان الخضوع لهذه النداءات طوعًا، فإنها سُتفرض عليه ويُجبر عليها، لأن الرحلة- الحج قدر إنساني لا مفر منه.
في سياق هذه التأملات -ونحن مدينون بها لرواية تحت قبة سقطرى- نتساءل كيف يحج المسلم المقيم في مكة؟ واليهودي والمسيحي المقيم في القدس؟ والهندوسي المقيم على ضفاف نهر الغانج، والمجوسي القاطن قرب جبل النار؟ لأن الحج في هذه الحالة يخلو من الترحال فكيف إذًا؟؟
يبدو في هذه الحالة أن على الإنسان المختار للتطور الروحي خوض تجربة التضحية بالذات، أو بتعبير آخر أن يدنو من الموت ثم ينجو إذا كان محظوظًا، وينقل خبرته هذه لسواه من البشر.
النبي إسماعيل بمعنى من المعاني هو مؤسس مدينة مكة ومشارك في بناء الكعبة، فالحج في حالته لا يضيف له شيئًا، لذلك كان عليه المرور بطقس التضحية بالذات، وهو قد فعل حين وافق باختياره أن يذبحه والده.
صحيح أن الروائي الروسي ديستويفسكي لم ينوِ أن يحج ولا خطر ذلك بباله، ولكن القدر اختاره ليخوض تجربة التضحية بالذات، حين وقف في الصف أمام الجنود استعدادًا لرميه بالرصاص، ثم أنقذه من الموت في اللحظة الأخيرة عفو من القيصر، واستبدل النفي إلى سيبيريا بحكم الإعدام، فكان قضاء بضع سنين في سيبيريا نوعًا من الحج أُجبر عليه ديستويفسكي، وبدا أن هذا ساهم عميقًا في تطوره الروحي.
ونرى هذا الطقس -التضحية بالذات- المشروط بالنجاة في حالة البطل المختار للتطور الروحي، يتكرر بحذافيره مع النبي عيسى عليه السلام، وفي القرآن الكريم فإن المسيح يشاهد الموت بعينيه ولكنه ينجو، وهذا مهم في سياق التطور الروحي، فلو أنه هلك لفقد الطقس معناه، ولذلك في الدين المسيحي الذي يتبنى رواية أن المسيح قد صلب، كان لابد لإتمام عملية التطور الروحي القول إنه قد قام حيًا من بين الأموات.
إنه أمر حتمي على كل إنسان وُجد على وجه الأرض أن يمر بولادة جديدة؛ فإما أن يختار هذه الولادة بإرادته بواسطة الحج، أو أن يولد من جديد رغمًا عنه من خلال المرور بطقس التضحية بالذات.
تختم المؤلفة روايتها بعناق بين فلور بطلة الرواية وشجرة دم الأخوين، وهو عناق حميمي تهمس فيه بشعر من الهايكو للشجرة:
“رفعت عينيها نحو قبة دم الأخوين، وقد أمعنت النظر في شكله وقوامه ونفسه المتدفقة في عروقه، وأيقنت حينها أن روحه لا يمتلكها أحد، بل هي روح سقطرى. وهو باقٍ فيها، يسحر كل من يراه ويصغي إليه.
ثم عانقته وهمست له هايكو في سره:
أرضٌ ساحرة
هبة الخلود تسري
نذرٌ لدم الأخوين”.
عناق فلور لشجرة دم الأخوين يصل إلى ذروة صوفية عليا، وفيه ذبذبات دينية، تعيد إلى أذهاننا عناق المسلمين للكعبة واستلام الحجر الأسود وتقبيله، وكذلك حال اليهود عند حائط المبكى.
إن هذه الخاتمة المجازية تذكرنا ببحث الإنسان اللانهائي عن المعنى من وجوده.
* روائي وكاتب يمني


تعليقات