وجدي الأهدل*
كاتب السيناريو، سواءً كان هاويًا أو محترفًا، مُلزمٌ بالبحث عن فكرة مرغوبة من طرف الجمهور.
صحيح هو مبدع، ولكنه ليس حرًا، فهو مبدع مقيد بشروط ظرفية لا تمت بصلة للإبداع، فليست أيّ فكرة تعنُّ له صالحة للجمهور، وإن بدت لامعة أو تحمل بريقًا عبقريًا، لأنّ عليه أن يفكر وهو مقيد الفكر بما يمكن أن أسميه (السوق الدرامي)، فإذا أراد أن يطلق العنان لأفكاره دون اعتبار لأيّ اشتراطات، فإن المجال الأصلح له هو مجال الكتابة الأدبية بأنواعها، ففي ذلك الحقل سيكون سيد نفسه، وحرًا تمامًا في كتابة الأفكار التي تروق له.
إذن في الدراما السيناريست مضطر أن يعطي الأولوية لأفكار لا تروق له، نعم كما تسمعون! فعليه أن يكتب ما يُرضي الناس، لا أن يكتب ما يُرضيه هو.
وهذا قريب من المثل الشعبي الذي يقول “كُل ما يعجبك، والبس ما يعجب الناس”، فالأدب كالشعر والقصة والرواية ينطبق عليه التشبيه بالأكل، وأما السيناريو الإذاعي والتلفزيوني والسينمائي فهو يشبه الملابس التي يجب أن تتماشى مع الذوق العام في المنطقة التي نعيشها.
أول خطوة يقوم بها السيناريست هي أن يكتب فكرته في سطر واحد.
هناك من يتذمر ويقول إن سطرًا واحدًا لا يكفي لاستيعاب فكرته، هذا هراء! لأنه لا توجد فكرة لا يمكن تلخيصها في سطر واحد. وفي حال حاول أحدهم فعل ذلك ولم ينجح، فإن السبب أن لديه فكرتين أو أكثر، وهكذا فورًا تكتشف التشتيت الذي سيلحق بالسيناريو في وقت مبكر جدًا، فيكون الصواب أن تطلب منه حذف الفكرة الثانية أو الأفكار الأخرى، وأن يتشبث بفكرة واحدة، واحدة لا غير.
على سبيل المثال، أورد أدناه فكرة بعض الأفلام للتوضيح:
- فيلم التايتانك: سفينة ركاب تغرق في البحر.
- فيلم السفارة في العمارة: شخص يكتشف أن جيرانه هم السفارة الإسرائيلية.
- فيلم الست: سيرة ذاتية لأم كلثوم.
- فيلم الناصر صلاح الدين: انتصار صلاح الدين في معركة حطين وتحرير القدس.
نلاحظ أن الأفكار الأربعة التي أوردناها تحوي بداخلها بذور العمل كله. والمنتج أو المخرج المحترف سوف يستنتج أن الفكرة الأولى (التايتانك) تصلح لإنتاج فيلم تراجيدي، والفكرة الثانية (السفارة في العمارة) تصلح لإنتاج فيلم كوميدي، والفكرة الثالثة (فيلم الست) تصلح لإنتاج فيلم سيري، والفكرة الرابعة (فيلم الناصر صلاح الدين) تصلح لإنتاج فيلم تاريخي.
إذا كان المنتج أو المخرج لا يستطيع تخمين نوع الفيلم من الفكرة، فهذا يعني أن عليه البحث عن مهنة أخرى، ويترك الفرصة لمن يفهم أفضل منه.
بالنسبة لكُتَّاب السيناريو الشباب الذين يرغبون في صياغة أفكار لعرضها على المنتجين أو المخرجين، فهذه عينة نوردها كمثال:
- غرق مركب أمام ساحل عدن-أبين يضم مهاجرين أفارقة.
- رجل بدين قصير القامة يتزوج من امرأة رشيقة طويلة القامة.
- السيرة الذاتية للشاعر الكبير عبدالعزيز المقالح.
- مقاومة السقطريين للمحتلين البرتغاليين وطردهم من الجزيرة في القرن السادس عشر.
أعتقد أنه في هذه الأمثلة المستوحاة من بيئتنا اليمنية المحلية، يمكننا بسهولة أن نميز أن الفكرة الأولى تراجيدية، والفكرة الثانية كوميدية، والفكرة الثالثة سيرية، والفكرة الرابعة تاريخية.
وعلى هذا المنوال يمكن للسيناريست أن يبدأ أولًا بإرسال فكرته لجس النبض، لقناة فضائية أو شركة إنتاج فني أو مخرج.
فإذا لمس اهتمامًا بالفكرة، ولنقل على سبيل الافتراض أنها الفكرة الثالثة المتعلقة بالسيرة الذاتية للشاعر عبدالعزيز المقالح، من جهة إنتاج معينة، فإن المتوقع أن تطلب تلك الجهة ملخصًا للعمل.
وهكذا ننتقل إلى الخطوة الثانية: كتابة ملخص يتراوح ما بين نصف صفحة إلى صفحة واحدة.
يحتوي الملخص على معلومات مركزة تجيب على التساؤلات الآتية:
هل نحن بصدد فيلم سينمائي أم مسلسل تلفزيوني؟ وما نوع الدراما؟ وأين ستقع الأحداث؟ هل في البر أم في البحر؟ في المدينة أم في الريف؟ ومن هم الأبطال الرئيسيون؟ وماذا يحدث في النهاية؟
بعد تسليم الملخص يفترض أن يحصل المنتج أو المخرج على رؤية أوضح عن العمل، وبالتالي يمكنه أن يجري حساباته ويقدر هل سيرحب الجمهور بهذا العمل الدرامي أم لا. فإن تحمس للملخص ورضي عنه، فإنه سيعطي الضوء الأخضر للسيناريست ليكتب المعالجة.
وهكذا ننتقل إلى الخطوة الثالثة، كتابة المعالجة:
المعالجة هي قصة الفيلم أو المسلسل. قد تتراوح ما بين ثلاث صفحات أو ست صفحات، وقد تصل أحيانًا إلى عشرين صفحة.
في المعالجة يجب أن تظهر الوحدات الثلاث (بناء الفيلم): التمهيد، الصراع، الحل.
وأن يتم شرح الحبكة بوضوح، وذكر جميع الشخصيات الرئيسية والثانوية ودور كل واحدة منها.
في المعالجة الجيدة سوف تظهر أيضًا فلسفة العمل، رسالته، الهدف من إنتاجه.
بعد أن ينتهي السيناريست من كتابة المعالجة يقوم بتسليمها للمخرج أو المنتج.
وفي حال حازت المعالجة على القبول، وطُلب من السيناريست البدء بكتابة السيناريو، فماذا عليه أن يفعل؟
الوضع النموذجي هو أن ترسل جهة الإنتاج عقدًا يوقع عليه السيناريست، وبموجبه يستلم الدفعة الأولى من أجور كتابة العمل.
وغالبًا يتم تقسيم أجور السيناريست على دفعتين: الأولى عند توقيع العقد، والثانية بعد الانتهاء من كتابة السيناريو.
هناك جهات إنتاجية تطلب من السيناريست تقديم حلقتين أو ثلاث كنموذج إذا كان العمل مسلسلًا تلفزيونيًا، فماذا يفعل السيناريست في هذه الحالة؟ تختلف المعايير من سيناريست لآخر، وما هي التقاليد المعمول بها في هذه الدولة أو تلك.
فالسيناريست الذي يدخل المجال لأول مرة وليست له أعمال درامية سابقة سيضطر إلى تقديم نماذج من سيناريوات كتبها أو حلقات من السيناريو الذي يجري التفاوض بشأنه، ليثبت للجهة المنتجة أنه متمكن من أدواته، ولديه معرفة بالتكنيك الدرامي الذي يمكنه من إتمام عمله باقتدار.
كم مقدار الوقت الذي يحتاجه السيناريست لينتهي من كتابة سيناريو فيلم أو مسلسل تلفزيوني؟ هذه مسألة يستحيل تحديدها، لأن القدرات تتفاوت، ولكن المؤكد بنسبة 100% أن الشركة المنتجة التي وقع معها السيناريست عقدًا ستضع له أجلًا معينًا وموعدًا أقصى لتسليم السيناريو جاهزًا بصيغته النهائية.
هذه المهلة الزمنية هي أسوأ كوابيس السيناريست، إذ عليه أن يوازن بين الكتابة الجيدة التي يرضى عنها، وبين الالتزام بتسليم العمل في الوقت المحدد.
ها نحن نرى أن السيناريست إذا نجح في توقيع عقد، فإن عليه التفرغ للكتابة، وأن يضحي بمصادر رزقه الأخرى، ما لم فإنه سيتخلف عن تسليم السيناريو في الأجل المضروب بينه وبين الجهة المنتجة، أو قد يسلم سيناريو مهلهلًا يشبه مسودة أولى كتبت على عجل، فيخسر فرصته في نيل النجاح المهني كسيناريست.
على سبيل المثال، السيناريست المصري القدير أسامة أنور عكاشة، اضطر إلى تقديم استقالته من وظيفته الحكومية، وتفرغ تمامًا لكتابة السيناريو. لا شك أن هذا القرار آنذاك بدا لمعارفه وأصدقائه ضربًا من الجنون؛ التضحية بمصدر دخل شهري مضمون، من أجل مصدر دخل قد يأتي وقد لا يأتي، وإذا أتى لا يأتي سوى مرة واحدة في السنة على أحسن تقدير! ومع ذلك قرر أسامة أنور عكاشة أن يخوض هذه المغامرة، وكان هذا من حسن حظه وحظنا وحظ الدراما العربية.
هذه ليست دعوة لكتاب السيناريو الهواة لأن يستقيلوا من وظائفهم ويتفرغوا لكتابة السيناريو، فظروف كل بلد مختلفة، وحتى في مصر نفسها لم تعد الظروف التي ساهمت في صعود جيل من كتاب السيناريو الممتازين هي نفسها.. كما أن كل تجربة لها خصوصيتها ولن تتكرر أبدًا.
السيناريست مهنة، مثلها مثل المخرج أو المصور أو المنتج، ولكن في اليمن يجب الحذر من الاتكال عليها كمصدر دخل، إذ نادرًا ما يُعطى الخبز لخبازه ما يُقال، فالدخلاء على هذه المهنة كثيرون لعدم وجود تقاليد فنية راسخة.
الخلاصة للشاب الذي يريد الدخول في هذا المجال:
ادرس السيناريو وطور مهاراتك، شاهد الكثير من الأفلام والمسلسلات الرفيعة المستوى، استمتع بكتابة السيناريو كهواية، وكن متأهبًا فقد يحالفك الحظ ويظهر عملك على الشاشة.
- روائي وكاتب يمني


تعليقات