Accessibility links

صنعاء – “اليمني الأميركي”:

نتفق أو نختلف مع نائب رئيس مجلس الرئاسة اليمني الأسبق، علي سالم البيض، إلا أن الرجلُ يبقى استثناءً في علاقته بخدمة بلده، التي ارتبط بها منذ وقت مبكر ثائرًا ومناضلاً ضد المحتل، ومن ثم مسؤولًا حكوميًا في أول حكومة عقب استقلال جمهورية اليمن الجنوبية، إذ تسنّم حينها منصب وزير الدفاع، وتنقل بين المناصب حتى وصل الى أمين عام الحزب الاشتراكي اليمني التي يوازيها رئاسة الدولة في جنوب البلاد.

 تجلى علي سالم البيض، على امتداد مسيرته النضالية ورجل دولة، رجل شجاع ومسؤول دولة صادق، وعرفه الكثير ممتلئًا من الداخل، بقدر ما هو متدفق قيمًا وأخلاقًا في علاقته بالمحيط، سواء كانت الأسرة أو المجتمع، وقبل ذلك الحزب والدولة والوحدة.

مهما كانت أخطاء علي سالم البيض يبقى هو القيادي اليمني الأكثر إخلاصًا للوحدة، وتلك القيمة العظيمة التي اندفع إليها بروحه ووهبها كل شيء، وأصر أن تقترن معها التعددية السياسية، هي فضيلة تحسب له وتجب ما بعدها مهما كانت.

لقد فقد اليمن برحيله أحد أهم مهندسي الوحدة وأحد أهم صُنّاعها، ووقّع على اتفاقيتها مع الرئيس علي عبدالله صالح في 22 مايو/ أيار 1990 بمدينة عدن ورفعا معًا علم الجمهورية اليمنية الوليدة.

توفي علي سالم البيض عن عمر ناهز 86 سنة قضى جلها في معارك التحرير والاستقلال وبناء الدولة اليمنيّة، وكان من نماذج قليلة ارتبط بها الصدق عنوانًا لشخصيته المسؤولة.

أعلنت رئاسة الجمهورية في اليمن، السبت، الحداد الرسمي، وتنكيس الأعلام لمدة ثلاثة أيام، وفتح سجلات العزاء في الداخل والخارج.

وقال بيان النعي الصادر عن رئاسة الجمهورية إن «اليمن خسر برحيل القامة الوطنية الكبيرة الفقيد علي سالم البيض أحد أبرز القادة والرموز السياسية في تاريخ اليمن المعاصر، وشريكًا مخلصًا في صناعة منجز الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990، مجسدًا آنذاك تطلعات اليمنيين إلى دولة واحدة تقوم على الشراكة الوطنية، وسيادة القانون».

وأضاف البيان: «إذ تستحضر قيادة الدولة هذه المحطة المهمة من تاريخ شعبنا، فإنها تشير الى مناقب الفقيد، وأدواره النضالية الكبيرة في طليعة الحركة الوطنية التي أنجزت مشروع الدولة، والاستقلال المجيد».

وأكدَّ «أن رحيل المناضل علي سالم البيض، لا يُذكّر بصفحات مشرقة لشخصية وطنية صادقة فحسب، بل يفتح بابًا للتأمل المسؤول في مسار الحركة الوطنية، ودروس الشراكة العادلة التي تمسك بها الفقيد البيض، وأهمية معالجة قضايانا الوطنية بروح المؤسسة، والحوار، وبما يصون كرامة اليمنيين، ويحفظ تضحياتهم، ويؤسس للمستقبل المشرق الذي يستحقونه جميعًا».

ولد البِيض في فبراير/ شباط 1939 في حضرموت، وكان الأمين العام للحزب الاشتراكي الحاكم في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بين عامي 1986 – 1990، وهو الذي وقّع على اتفاق الوحدة مع رئيس الجمهورية العربية اليمنية علي عبد الله صالح لتأسيس الجمهورية اليمنية في 22 مايو/ أيار 1990 ورفعا معًا علم الوحدة في عاصمة الجنوب – جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية – عدن.

تجلت عظمة شخصيته في ما حظي به من إنصاف من اليمنيين الذين رثوه على منصات التواصل الاجتماعي من خلال شهادات اختزلت أبرز ملامح شخصيته وتجربته.

شجاعة القرار

قال القاضي محمد أحمد الجلال: “لم يكن “أبو عدنان” مجرد سياسي، بل كان شاهدًا وصانعًا لأخطر وأهم منعطفات تاريخنا المعاصر، فقد بدأ مشواره بطلاً في الجبهة القومية، وتقلّد المسؤولية في أول حكومة لجنوب اليمن بعد جلاء الاستعمار البريطاني عام 1967م في عهد الرئيس قحطان الشعبي، كما عاصر بناء الدولة في أصعب مراحلها، من حقبة “سالمين” و”عبدالفتاح” و”علي ناصر”، وكان دائمًا في قلب الحدث، وصولاً لترؤسه للحزب الاشتراكي اليمني”.

وأضاف: “مهندس الوحدة وشجاعة القرار، فهو الرجل الذي أخذ على عاتقه الحلم القومي الكبير.. ليعلن قيام الجمهورية اليمنية عام 1990، واضعًا مصلحة الشعب فوق كل اعتبار”.

وأردف: “يرحل البِيض اليوم، وبعد سنوات من الاعتزال السياسي، ليضع الفصل الأخير في رواية كفاح طويلة، بدأت من جبال ردفان وانتهت برحيله إلى جوار ربه، مخلفًا وراءه تاريخًا من المواقف التي ستظل محل فخر واعتزاز”.

ثورة إضافية

بينما يعتبره وزير الثقافة اليمني الأسبق، خالد الرويشان، أنه “كان أشرف وأصدق وأسبق حين أصر على إعلان التعددية السياسية لأول مرة في تاريخ اليمن الحديث متزامنةً مع إعلان الوحدة، وكانت تلك ثورة إضافية بحد ذاتها وقفزةً جريئةً نحو العصر وصوب المستقبل، وكان أشرف وأصدق حين حَنِقَ وغضِب وغادر وقاتَل، وكان أشرف وأصدق الرجال حين تأمّلَ بعد حين وراجع الموقف ورضِيَ واقتنع بأنّ اليمن الكبير أكبر وأبقى من الأشخاص والمناصب والأحزاب والزعامات، وأن التاريخ نهرٌ لا يتوقف”.

وقال: “كان أشرف وأصدق الرجال حين صَمَتَ صَمْت الفارس المحترم في سنواته الأخيرة، وحتى لحظة رحيله!”.

وأضاف: “كان اليمن الكبير منقوشًا بين حناياه منذ انتمائه المبكّر لحركة القوميين العرب وفكرها الوحدوي الثوري ومن ثم الجبهة القومية وأحلامها في الوحدة والتقدم ولذلك أعلنها في قلب ميدان السبعين في عيد الوحدة الأوّل: أنجزنا الوحدة وستظل إلى الأبد إلى الأبد وأقولها إلى الأبد! أعلنها عن يقينِ وعقيدة المناضل ونقاءِ السياسي الحالم الكبير”. 

الوحدوي الأول

يحيى حسين العرشي، وزير الثقافة والسياحة الأسبق، وهو أحد مهندسي الوحدة اليمنية من خلال عمله وزير شؤون الوحدة في عهد التشطير، قال في شهادته: “حزنت لوفاة علي سالم البيض الوحدوي الأول في استعادة وحدة اليمن، وهذا عزز من إيماني المطلق بأن الثابت هو ما يتركه، من توفرت لهم فرصة قيادتهم للشعوب والأوطان، من أثر خالد في عمل عظيم للخروج من قهر الاستعمار وظلم الاستبداد وشتات الأوطان”.

وأضاف: “ذكرياتي مع الفقيد الراحل لا حصر لها على مدى سنوات طويلة، منذ أن كان وزيرًا قياديًا في الحزب الاشتراكي اليمني وفي لجنته المركزية ومكتبه السياسي حتى عهد الرئيس علي ناصر محمد، ثم أمينًا عامًا رئيسًا للمكتب السياسي بعد أحداث 13 يناير 1986م وحتى اليوم الخالد الثاني والعشرين من مايو عام 1990م، حيث كان نائبًا لرئيس مجلس رئاسة اليمن الواحد الشهيد علي عبدالله صالح حتى عام 1994م”.

وتابع: “ولستُ الآن بصدد الحديث عن دوره الوطني في استعادة وحدة وطننا، فقد ذكرت ذلك في كل مقابلاتي وأحاديثي وإصداراتي عن شخصيته وعن دوره في تحقيق استعادة وحدة الوطن، ولن أنسى أبدًا في كل الأحوال ثقته الكبيرة بي التي حظيتُ بها في مهمتي الوحدوية، والتاريخ وحده هو المعني بتقييم ما تمر به الشعوب من مراحل ومنعطفات إيجابية وسلبية، ومن تولى الأمر فيها، وما تركوه من بصمات من العطاء والتضحية من أجل استعادة وحدة الوطن – علي سالم البيض مثال على ذلك”.

وقال يحيى العرشي: “لقد تحمّل الراحل الكثير من المتاعب، وتجاوز الكثير من التحديات من أجل تحقيق الإنجاز العظيم، وكان كما عرفته جياش العواطف في المضي نحو استعادة الوحدة مهما كلفه ذلك من ثمن في سلطته وعلاقاته مع رفاقه في الحزب، ولولا الثغرات الكبيرة في رأس إدارة دولة الوحدة، ودخول شياطين الإنس من تلك الثغرات وتوسيعها، لما حدث منه ما حدث في عام 1994م، وهو ما كنتُ أتمنى ألا يحدث منه شخصيًا، ورغم ذلك لا يمكن لِما حدث أن يمحو دوره الوطني الشجاع من ذاكرة التاريخ، وسيبقى إلى ما شاء الله”.

صناعة التاريخ

حمود خالد الصوفي، اختزل مرثيته في وداع علي سالم البيض في شهادة نورد منها بضع جمله مكثفة عبّرت عن بعض سمات الراحل قائلاً: “اليوم، ونحن نودّعه، بكل يقين، نؤمن أننا نودع شجاعة القرار لرجلٍ امتلك القدرة النادرة على صناعة التاريخ.. في اللحظة الحاسمة ينتصر لمشروعه حتى وهو يعلم أن الطريق إليه محفوف بالخسارات”.

تعليقات