Accessibility links

وجدي الأهدل*

وقع بين يديّ كتاب عنوانه “جحا.. حكايات فلوكلورية من الصين”، ترجمه إلى اللغة العربية وليد الغازي، وصدر عن دار (M.K publishing distribution) بالقاهرة، 2016.

 وأول ما تبادر إلى ذهني هو هل وصل عمنا جحا وحماره إلى الصين؟ وكيف وصل؟؟ المسافة بعيدة!

انكببت على قراءة الكتاب، وهو كتاب ممتع كما توقعت، وهل هناك من يسأم من حكايات جحا ونوادره؟! وتوصلت بعد إتمام القراءة إلى المحصلة التالية:

لا وجود لشخصية جحا وحماره في الثقافة الصينية، ولا في تراثها الشعبي القديم.

ولكن في إقليم صيني ناءٍ يقع في جنوب غرب الصين (سينك ينج) توجد أقلية عرقية من أصول تركية، هم شعب الأيجور، وعددهم يصل إلى 7 ملايين نسمة، يتركزون في مدينة كاشغر، وهي آخر مدينة وصل إليها الفاتحون المسلمون في فتوحاتهم شرقا، وذلك في عهد الدولة الأموية، وتوجد لدى هذا الشعب المسلم حكايات شعبية قديمة تناقلتها الأجيال شفاهًا

عن شخصية ظريفة اسمها “نصر الدين أفندي”.

بحسب إفادة المترجم وليد الغازي، فإن اسم (جحا) غير معروف البتة لدى شعب الأيجور، ولكنه لشهرة اسم جحا عندنا، فقد فضل الإشارة إلى “نصر الدين أفندي” باسم “جحا”.

معظم الحكايات التي اشتمل عليها الكتاب وعددها 65 حكاية متداولة لدينا، مع اختلاف يسير في المواقف والأشخاص والألفاظ، وتكاد شخصية “نصرالدين أفندي” تطابق تمامًا شخصية “جحا” المعروف لدى العرب.

قبل سنوات عقد مؤتمر في اسطنبول، وجمع عشرات الباحثين، وكان موضوع البحث هو تقصي كل شاردة وواردة عن جحا، وهل هو شخصية حقيقية؟ فإن كان شخصا حقيقيا فأين ولد ونشأ؟ وهل هو عربي أم تركي أم فارسي؟ وهل يمكن حصر جميع الحكايات والنوادر المنسوبة إليه في مجلد واحد؟

يخصص المترجم وليد الغازي قسما في آخر الكتاب للحديث عن عالمية حكايات جحا، وكيف عبرت الحدود والقارات ووصلت إلى أماكن لا تخطر على البال، وهذا صحيح إلى حد بعيد.

وفقًا لوليد الغازي ابتكرت كل أمة جحاها الخاص بها، ونسبت إليه الحكايات والنوادر المشهورة المنتشرة بين الشعوب رغم اختلاف الألسنة والبيئات، وعلى سبيل المثال بالنسبة لليمنيين فقد اخترعوا شخصية “أحمد المعطري”، ونسبوا إليه العديد من الطرائف الشائعة عن جحا، فأضافه وليد الغازي إلى قبيلة الجحويات!

وقد أورد وليد الغازي لجحا الصنعاني المعروف في اليمن باسم “أحمد المعطري” عدة طرائف، منها هذه الطرفة:

“جاء رجل من جيران أحمد المعطري إليه بخطاب ليقرأه له، فلم يستطع قراءته لرداءة الخط، ولم يعرف شيئا مما فيه. فقال له: من أين جاءك هذا الكتاب؟ فقال: من مدينة حلب. فقال المعطري: صدقت، لأجل هذا ما عرفت أن أقرأه لأني لا أعرف القراءة بالحلبي”.

قد لا يتفق البعض مع طرح وليد الغازي، فهناك من يرى أن “أحمد المعطري” ظريف من ظرفاء اليمن، وشخصية كوميدية يمنية أصيلة، ولا علاقة لها بجحا الذي طبقت شهرته الآفاق. ولكن هل “أحمد المعطري” شخصية حقيقية؟ هل نجد نبذة عنه دونها مؤرخ ما؟ على الأرجح أن “أحمد المعطري” شخصية اخترعتها المخيلة الشعبية اليمنية، فهي الشماعة التي علق عليها اليمانيون سخرياتهم ونكاتهم وهزلهم، لينجوا من أي عقاب محتمل.

يتميز “نصرالدين أفندي” في التراث الشعبي الأيجوري بسلاطة اللسان، وسرعة البديهة، والقدرة على الهزء من السلطة ورجالاتها، فهو ذراع الشعب الأيجوري للنيل من السلطة الظالمة.

وبما أن الشعب الأيجوري صغير العدد نسبيًا، ويقع على تخوم قوميات وامبراطوريات كبرى، فإنه يجد نفسه على مر فترات التاريخ تحت نفوذ قوى إقليمية أكبر منه، ولا ملجأ له للتنفيس عن كربه إلا عن طريق النكتة السياسية، وكان “نصر الدين أفندي” في الغالب هو بطل هذه النكات السياسية اللاذعة، ومنها هذه النكتة ذات الدلالة الواضحة:

“سأل الوالي جحا ذات مرة: قل لي يا جحا حين أموت هل ستذهب روحي إلى الجنة أم إلى الجحيم؟ فأجاب جحا على الفور: الجحيم بكل تأكيد! فقد الوالي أعصابه، وبدأت عيناه في الاضطراب، ثم انطلق يسب جحا ويهينه، فاستوقفه جحا محاولا تهدئته: يا مولاي استحلفك بالله لا تغضب.. فإن الجحيم هو المكان الوحيد المتاح لك الآن، فإنك قد قتلت الكثيرين ممن يستحقون الجنة، فأصبح المكان مزدحمًا ولن تجد فيه غرفة فارغة لك”.

وليد الغازي من مواليد القاهرة 1971، عمل كمساعد مخرج مع مجموعة من المخرجين منهم علي بدرخان وأشرف فهمي، وشارك في كتابة وتنفيذ العديد من الأفلام التلفزيونية والتسجيلية والبرامج، وصدرت له عدة كتب أدبية منها “ناجي العلي” و”الصياد”، مؤسس ومدير الندوة الأدبية “ريشة وقرطاس”. ولعل هذا النشاط الفني في مجال الدراما قد فتح عينيّ مترجم الكتاب على أهمية الكوميديا في المجال الفني والأدبي.

أُعجبتُ بشخصية جحا منذ مراهقتي، وكنت أقتني كل نوادره، وأشعر بالأسف لأنني وجدت في نفسي ميلًا لاختراع شخصية كوميدية عصرية موازية لجحا، ولكنني لم أجد الجرأة الأدبية للسير في هذا الدرب.. هذا اعتراف متأخر بأنه خطأ العمر.

يحتاج العربي، والعربي المنكوب بالحروب خاصة، إلى شخصية كوميدية خارجة من بيئته المحلية تبدد سحب الحزن والكآبة والجدية المفرطة، وتبث في الروح قدرا من الخفة والبهجة والضحكات التي باتت نادرة أكثر فأكثر في أيامنا هذه.

* روائي وكاتب يمني

تعليقات