جيمس زغبي*
قد يحتفل الرئيس ترامب بفرحة عارمة، مشيدًا بما وصفه بأنه «أحد أكثر العروض الأميركية للقوة العسكرية والكفاءة إثارة للإعجاب وفعالية في تاريخ الولايات المتحدة». غير أن هذه الاحتفالات سابقة لأوانها. ففي الواقع، لا يُعدّ الهجوم الأميركي على فنزويلا ونقل الرئيس مادورو للمحاكمة أمام محكمة أميركية انتصارًا بأي حال من الأحوال. وعند التدقيق، تبرز أسئلة أكثر من الإجابات. هناك قضايا عدة ينبغي أخذها في الاعتبار.
يمثل الهجوم العسكري الأميركي وعملية القبض ضربة لهياكل القانون الدولي والدبلوماسية التي أُنشئت في أعقاب الحربين العالميتين. والدرس المثير للقلق هو أن الدول القوية تستطيع فرض إرادتها. وقد أدركت إسرائيل هذا الأمر منذ زمن، حيث دأبت، بمباركة الولايات المتحدة، على ارتكاب جرائم القتل والدمار وفرض إرادتها على جيرانها دون رادع. وقد تحذو دول أخرى حذوها الآن، مما يجعل الأمم المتحدة والمحاكم الدولية والقانون الدولي عاجزة عن تحقيق أهدافها. وعلى الصعيد السياسي الداخلي، زجّ الرئيس الأميركي، من جانب واحد، بالجيش الأميركي في هجوم على دولة أخرى دون تفويض من الكونجرس، كما يقتضي الدستور الأميركي. وحتى لو كان هذا التفويض قد مُنح، فإنه لا يُضفي شرعية على العمليات في فنزويلا.
ومن دون أيّ ادعاء بإعادة الديمقراطية إلى البلاد، أوضح الرئيس أن الولايات المتحدة تحركت «لاستعادة» منشآت النفط الفنزويلية التي جرى تأميمها قبل نحو خمسة عشر عامًا. ويدّعي أن ناقلات النفط التي صودرت مؤخرًا ستُستخدم لتعويض خسائر الولايات المتحدة في عائدات النفط. وأعلن الرئيس أن «الولايات المتحدة ستُدير البلاد»، وأن الرئيس المؤقت الجديد «سيفعل ما نريد» وإلا سيواجه مصيرًا أسوأ من مصير مادورو.
يكتنف الغموضُ المشروعَ برمته. ما هي الغاية النهائية؟ يقول الرئيس إن الولايات المتحدة ستُدير البلاد حتى يتم إصلاحها، أي على الأرجح بعد أن تُسيطر شركات النفط الأميركية على موارد النفط الهائلة في البلاد. قد لا يدوم الهدوء الذي ساد بداية هذه المغامرة. ففنزويلا لديها مؤسسات حكم، ويسيطر حزب مادورو على الجيش، ولديه قاعدة دعم مسلحة كبيرة. فكيف تسعى الولايات المتحدة لفرض إرادتها على هذه الهياكل التي تعارض الهيمنة الأميركية أيديولوجيا؟ حتى الآن، التهديدات بشن المزيد من الضربات العسكرية الأميركية و/ أو استخدام العنف ضد الشخصيات الحكومية لإجبارها على الامتثال هي المقترحات الوحيدة.
دون نشر قوات أميركية لفترة طويلة، يبدو تحقيق الامتثال أمرًا غير مرجح. وهذا يثير السؤال الأخير: هل سيتمكن الرئيس من الحفاظ على دعم الرأي العام الأميركي لهذه القضية برمتها؟.. إذا ظهرت مقاومة فنزويلية، فالإجابة عن الأرجح هي «لا». وقد شبه بعض المحللين الوضع في فنزويلا بالوضع في العراق. يمكن إجراء مقارنات، ولكن إلى حد ما فقط.
على سبيل المثال، عندما غزت الولايات المتحدة العراق لأول مرة، حظي الرئيس بوش بدعم من «الديمقراطيين» و«الجمهوريين» على حد سواء.
كانت إدارة بوش تروج لفكرة وجود صلة بين العراق وهجمات «القاعدة» الإرهابية في 11 سبتمبر. زعموا أن الإطاحة بصدّام وتشكيل حكومة موالية له يمكن أن يتم في غضون بضعة أشهر، ولا يتطلب سوى نشر محدود للقوات الأميركية، وبتكلفة زهيدة، مع تغطية النفط العراقي لتكاليف الحرب.
بالطبع، لم يكن الأمر كذلك، فمع استمرار الحرب وتزايد الخسائر والتكاليف، تراجع الدعم الشعبي.
أما في حالة فنزويلا، تُظهر استطلاعات الرأي أن الرأي العام الأميركي منقسمٌ بالفعل بشأن إجراءات الإدارة، حيث يؤيدها 40% فقط ويعارضها 42%. ورغم الانقسام الحزبي الحاد، فإن المستقلين يعارضونها بنسبة اثنين إلى واحد. وإذا ما استدعى الأمر نشر قوات أميركية في البلاد، أو في حال وقوع خسائر بشرية – أميركية وفنزويلية – فمن المؤكد أن المعارضة ستزداد. حينها سيضطر الرئيس لمواجهة الجمهوريين القلقين في الكونجرس الذين يرون كارثة في استطلاعات الرأي. وسيكون عليه إما أن يتعمق في موقفه، مُعرِّضًا قيادته للخطر، أو أن يفعل ما فعله سابقًا – إعلان النصر، وتغيير المسار، و/ أو خلق أزمة جديدة لصرف الأنظار عن مناورة سياسية أخرى.
* رئيس المعهد العربي الأميركي – واشنطن


تعليقات