Accessibility links

Advertisements

عبدالباري طاهر*

 وجّه المفكّر العربي قسطنطين زريق نقدًا مريرًا لمسمى نكبة 48، فقد كان يرى – ومعه كلّ الحق – أنّ احتلال فلسطين، والهزيمة الكوميدية للجيوش العربية كارثةً بكل الدلالات. تكررت المأساة في 5 حزيران 67، فهزيمة 67 هي الكارثة، وبوابة الكوارث التي تحيقُ بالأمة العربية من الماء إلى الماء، فالتيار القومي التقدمي الذي عبّر عنه بعمق وصِدق الزعيم العربي جمال عبدالناصر، وتجلّى في ثورة 52 في مصر، وانتصار حركات التحرر الوطني في الجزائر، واليمن الديمقراطية، والحركات القومية في سوريا، والعراق، وليبيا، واستقلال السودان، والمغرب، وتونس، وبزوغ نجم حركة التحرير الوطني الفلسطيني، كان السمة الرئيسية لخمسينيات القرن الماضي، وكان هو الموصوم بالهزيمة.

هزيمة 67 لا تزال تُلقي بظلالها القاتمة على الوطن العربي كله؛ فالاحتلال الإسرائيلي لا يزال يتقوى ويتمدد إلى ما تبقى من فلسطين 67 في الضفة الغربية، وغور الأردن، والجولان، وتهيئة صفقة القرن الأميركية؛ ليكون حامي حمى المنطقة العربية كلها، ويجد القبول من بعض الأنظمة العربية التابعة.

طوال عقود الأربعينيات، وحتى الثمانينيات، كانت إسرائيل تخوض الحروب بدعم أميركي وبريطاني بالأساس، أما اليوم، فهي تخوض الحروب بواسطة العرب أنفسهم، وضد بعضهم، وبالمال العربي.

منذ بزوغ فجر الانتفاضة الشعبية في تونس، وانتشارها بسرعة البرق إلى عموم البلدان العربية تقاربت المواقف بين إسرائيل وبعض البلدان العربية، ودعمت أميركا الإسلام السياسي، مشككةً بمواقف حلفائها في الأنظمة العربية الشائخة، ودعمت تكتيكيًّا – بهذا المستوى أو ذاك – الاحتجاجات السلمية، في حين قوَّت اتجاهات العسكرة في غير قُطر عربي.

تمكّنت أميركا – بدعم بعض الأنظمة العربية، وبتمويل خليجي – من تدمير القوة العربية في العراق، وسوريا، وليبيا، واحتواء قوة مصر، وتقوم إدارة ترامب بتسويق صفقة القرن، ودفع إسرائيل؛ للاستيلاء على ما تبقّى من أرض فلسطين في الضفة الغربية.

الوضع في المنطقة العربية مؤشراته شديدة الخطورة، والخلل بالأساس في الجسم. فالدولة القطرية التي قامت بعد الحربين العالميتين بهندسة استعمارية حافظت على بناها التقليدية التي قامت عليها بالأساس كالطائفية، والقبائلية، وتركيبة ما قبل الوطنية، وظلت هذه التركيبة المجتمعية مصدر الخلل، والسبب الرائس للصراع، ومع أنّ الثورات والانقلابات العسكرية كانت تتبنّى، أو تدعو إلى تجاوزها، والقضاء عليها، إلا أنّ الانقلابات العسكرية كانت مدخولة، وتحملُ أمراض البيئة والتركيبة نفسها.

كان الاستثناء انقلاب 23 يوليو في مصر؛ فهذا الانقلاب بالمعنى العميق لكلمة انقلاب بمعنى التغيير الجذري والشامل قد قلب المجتمع المصري آنذاك، وترك آثارًا عميقة في مختلف المستويات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وامتد أثره للمنطقة العربية كلها… وهذا يأتي انطلاقًا من قناعتي بأنّ مصطلح الانقلاب أكثرُ عُمقًا وجِذرية من مصطلح الثورة السّلبي.

كتاب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» لصادق جلال العظم، يوجّه نقدًا مريرًا لتركيبة النظام العسكري الذي كان سببًا في الهزيمة. حقًّا، فإنّ غياب الأفق الديمقراطي، وتجريم التعددية السياسية والحزبية كان “كعب أخيل” في تجربة الثورة، وامتد أثره البائس لتجربة الثورة العربية كلها؛ لِما لمصر من مكانة، وللزعيم عبدالناصر من كاريزما وتأثير.

ثورة يوليو 52 في مصر كشفت طبيعة النظام العربي، فالثوراث العربية في سوريا، والعراق، وحركات التحرر في الجزائر، واليمن الديمقراطي، تبنّت النهج القومي العربي على اختلاف وتفاوُت في المواقف، بينما وقفت السعودية، وتبنّت خيار الإسلام السياسي. أمريكا والاستعمار القديم والجديد لم يكونوا بعيدين عن الصراع، وقد وقفت القوى التقليدية في المنطقة العربية إلى جانب السعودية.

الخطيئة الكبرى التي انتقدها باكرًا اليسار الماركسي، ومفكرون قوميون، هي أنّ الثورة المضادة في مصر كانت خارج السلطة، وتجد سندها في رأس النظام؛ وهو ما أدركه الزعيم العربي مؤخرًا؛ فمراكز القوى – كما سمّاها الزعيم ناصر – كانت الثغرة التي تسببت بهزائم كثيرة في اليمن، والسودان، وانفصال سوريا، وأخيرًا بهزيمة 67 التي أدت إلى انتصار إسرائيل، وأميركا، والقوى التقليدية في البلاد العربية. فقد انتعش اليمين الرجعي، وبرزت تيارات الإسلام السياسي مدعومة من العربية السعودية، وأميركا.

الحرب في أفغانستان، وتدمير العراق، واتفاقيات كامب ديفيد، كلها وضعت القوى التقليدية العربية، والإسلام السياسي بشقيه في الصدارة، وهمّشت التيارات القومية في المنطقة كلها، وكانت، هي الأخرى، قد تحولت إلى قوى مستبِدة وفاسدة، وتخلّت عن ثوريتها، والمبادئ التي دعت إليها، وتحالف بعضها مع القوى التقليدية، والاستعمار.

لا يُمكن نسبة تدمير العراق إلى العدوان الثلاثيني وحده، وإنْ كان طرفًا أساسيًّا في التدمير، ولكن رعونة صدام، واعتداده الزائد بالقوة، وغزو الكويت كانت أسبابًا رئيسية أعطت المبرر للأميركان والاستعمار لغزو العراق وتدميره، كما أنّ الحرب مع إيران كان بالإمكان تفاديها بتحصين الجبهة الداخلية، وعدم الانجرار للمخططات الأميركية.

صحيح أنّ الآيات الشيطانية عملت على تصدير الثورة، لكن إصلاح الأوضاع الداخلية، والخلاص من التمييز ضد الأقليات كما في العراق وسوريا، ونبذ الطائفية فيهما، وفي البلدان الخليجية، وبالأخص في السعودية والبحرين، كان كفيلاً بقطع دابر دعوات الآيات الشيطانية؛ لإشعال الفتن الطائفية والحرب، وهو ما قاله الرئيس الأميركي أوباما للسعوديين.

اتفاقيات كامب ديفيد، وحرب الخليج حوّلت الصراع من صراع عربي – إسرائيلي، إلى عربي – فارسي، بينما إسرائيل لا تزال تتمدد في الأرض العربية، وتريد فرض صفقة القرن؛ لتتسيد المنطقة كلها. وهذا لا يعني أنّ إيران وتركيا – أيضًا – لا تُمثلان خطورة على الأمة العربية؛ فالنظام الإيراني يؤجج الصراع الطائفي، ويمدّ نفوذه إلى العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، بينما تتدخل تركيا عسكريًّا في العراق، وسوريا، وليبيا، وتدعم الإسلام السياسي (الإخوان المسلمين)، والتيارات الإرهابية. غير أنّ المواجهة مع الأطماع الإيرانية والتركية لا تكون بالارتماء في أحضان أميركا، واللعب تحت الطاولة أو فوقها مع إسرائيل، وتأجيج الصراعات المذهبية التي تُفكك الأمة، وتُوغِل في تمزيقها؛ فالخلافات العربية القائمة على المناطقية والمذهبية صراع كالح لا يخدمُ إلا المخططات الاستعمارية، ويقوّي النفوذ والاستيطان الإسرائيلي عبر صفقة القرن، كما يستجيبُ للطموحات الامبراطورية لإيران وتركيا، ويفسحُ السبيل أمام تغوّلهما.

* نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق

  • 349
    Shares
Advertisements

تعليقات