Accessibility links

عبدالباري طاهر*
ولد اليمن واليمنيون قبل مئات وآلاف السنين، ولكنهم لم يكتسبوا المواطنة – كيمنيين – إلا بقيام الثورة اليمنية: سبتمبر، وأكتوبر. الثورة الوطنية 26 سبتمبر 1962 طوحت بالنظام الكهنوتي، بينما الـ 14 من أكتوبر 1963 حققت الاستقلال الوطني.

Advertisements

نحتَ اتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيون مصطلح “الثورة اليمنية: سبتمبر، وأكتوبر” كأرضية ومدماك للوحدة اليمنية في الـ 22 من مايو 1990.

في الذكرى الـ59 لثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 يقف اليمنيون مذهولين إزاء ما حصل قبل ستين عامًا، والحالة البائسة التي وصلوا إليها.

قبل عام اثنين وستين لم تكن لديهم مواطنة، فقد كان الوطن مشطورًا بين إمامة قروسطية في الشمال، وجنوب محتل، وفيه أكثر من اثنين وعشرين سلطنة. حققت الثورة اليمنية الاستقلال والسيادة والمواطنة، وإنجازات في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والعسكرية، وانفتح اليمن على تيارات العصر الزاخرة، والثورات الشعبية والتحررية التي كانت تجتاح القارات الثلاث.

الأسئلة الفاجعة، ما الذي حصل حتى تعود اليمن إلى أسوأ مما كانت عليه قبل قرابة ثلثي قرن؟ المقارنة بين أوضاعنا اليوم، وحالة البلاد والشعب قبل الثورة اليمنية، أن حالتنا اليوم هي الأسوأ. هل الصراعات الداخلية على الحكم هي الأساس؟ هل الصراع بين الشمال والجنوب له علاقة بما وصلنا إليه؟ هل ضعف التنمية والبناء الحديث من الأسباب؟ وهل لصراعات المجتمع المفتوحة بين المدني والمدني، والأهلي والأهلي وبينهما أساس في هذا المآل؟ وهل مصادرة الحريات العامة والديمقراطية، وحرية الرأي والتعبير، وعدم احترام حقوق الإنسان سبب؟ وهل يتعلق الأمر بطبيعة القيادات؟ هل يكون التعليم التقليدي هو السبب؟ هل الأمية السائدة؟ هل السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبنية المجتمعية المدججة بالأمية والسلاح أساس فيما حصل؟ ثم هل يكون الجوار الخطر، والتدخلات الأجنبية سببًا؟ هل الأوضاع الإقليمية والدولية التي تشهدها وتعيشها المنطقة والعالم لها علاقة بما نعاني وما نعيشه اليوم؟ هل هي حرب أهلية أم إقليمية مأجورة مسنودة دوليًّا؟ أم هي مركبة من الأهلي والإقليمي والدولي؟ وهناك أسئلة تبدأ ولا تنتهي.

جليّ أن العوامل الداخلية أساس، فالصراعات الدامية على السلطة، وغياب الديمقراطية، وعدم قبول التعايش والتسامح بين مختلف الأطراف أساس فيما وصلنا إليه. وهناك ترابط عميق بين الصراعات الداخلية، والصراعات الإقليمية، والتدخل الدولي. الصراع الكالح منذ فجر الثورتين: سبتمبر، وأكتوبر بين الأطراف الفاعلة والحية مصدر خلل وأساس، وهو كعب أخيل الذي أتاح للأطراف الخارجية امتلاك أوراق اللعبة، وتأجيج الصراعات لإضعاف كل الأطراف، وحتى إضعاف التنمية والبناء والتحديث، وعدم تحقيق إنجازات عميقة مرده في جانب مهم إلى العسكرة، وديمومة الصراع، سواء الصراع مع القوى المعادية، أو في الصراعات البينية التي استنزفت الطاقات والقدرات المحدودة، وحشدت الأطراف في مواجهة بعضها بدلاً من الانصراف للبناء والتنمية.

عوامل عديدة تضافرت لتفرز حالة المأساة غير المسبوقة في التاريخ الحديث. أوضاع اليمن في الشمال والجنوب أسوأ مما كان عليه الحال قبل انبجاس الثورة اليمنية، فلا مقارنة بين وضع الجنوب المحتل، وبين المليشيات المتقاتلة، وعسكرة الحياة، وانعدام الأمن والسلام والاستقرار، ولم يكن الحال في الشمال بأحسن منه في الجنوب، فمليشيات الأمر الواقع تفرض نظامًا جائرًا يكرس السلالية والدعوة للاصطفاء والاستعلاء العشائري والسلالي، وبزوغ محموم لولاية الفقيه، وإحلال في الوظيفة، وتعطيل عمل الدولة والقطاعين: العام، والخاص، وتشويه المناهج التربوية، وتتشارك كل المليشيات في الشمال والجنوب والشرق والغرب في التقتيل والتشريد والتجويع للملايين، وفي فرض الحصارات الداخلية، وتمزيق النسيج المجتمعي، والعودة باليمن إلى ما قبل الوطنية والدولة، ويأتي العدوان الخارجي الذي تقوده السعودية والإمارات إلى تدمير البنية التحتية، ويقصف طيرانها الأحياء الشعبية والمدن والقرى والأسواق والمعالم الأثرية والمدارس والمستشفيات وصالات الأعراس والعزاء، ويستهدف المدنيين والحياة المدنية، ويفرض حصارًا بريًّا وبحريًّا وجويًّا على اليمن.

تدمر اليمن بأيدي أبنائها المرتهنين للحرب، وبيد الصراع الإقليمي الإيراني – السعودي الإماراتي، وبمساندة دولية أمريكية وأوروبية هي أساس المحنة.

أيّ مقارنة اليوم بين وضع الجنوب ووضعه قبل الرابع عشر من أكتوبر 1962، فستكون المقارنة لصالح الاستعمار البريطاني وحكم السلاطين، وأيّ مقارنة في الشمال بين وضع الشمال اليوم في ظل مليشيات الأمر الواقع، وبين المتوكلية اليمنية أو الاحتلال التركي، يرجح كفة الإمامة البائدة والاحتلال التركي؛ إذ هما أرحم من مليشيات الأمر الواقع.

إن في العودة للماضي والتباكي عليه سببه إغلاق الأبواب أمام الأمل، وانسداد الآفاق، واستعصاء الحل السياسي، وتصاعد الحرب، وتفشي جرائم الحرب وجرائم من كل نوع كالاغتيالات، والاختطافات، والاعتقالات، وأحكام الإعدام، والمجاعة، وتفشي الأوبئة، وليس من مخرج غير تنادي اليمنيين، وتوحد الإرادة الوطنية، والجنوح للسلم، والقبول بالإخاء والتعايش والتسامح، والاحتكام إلى الحوار، والتوافق على حل سياسي يستجيب ويلبى إرادة ومصالح كل أبناء اليمن.

منذ فجر الثورة اليمنية كان الصراع والحروب مصدر وسبب الكوارث كلها، والحالة الفاجعة التي وصلنا إليها سببها الاقتتال على الحكم، وعدم القبول بالتشارك واحترام خيار الشعب.

*نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق.

  • 232
    Shares
Advertisements

تعليقات