Accessibility links

Advertisements
Advertisements

عبدالباري طاهر*

     تسعة أعوام تمرّ على ثورة الربيع العربي التي انطلقت من تونس رافعةً شعار: “الشعب يريد إسقاط النظام”.. الشرارة التي أحرقت جسد البوعزيزي أشعلت السّهل العربي من الماء إلى الماء.. كان الربيع العربي إيذانًا بتحوّل جديد في غروب فجر الثورات المسلّحة، والانقلابات العسكرية، وتسيّد شرعية الفساد والاستبداد؛ فغلبة القوة، سواء الموروثة كما في الأنظمة المالكة، أو الشرعيات الثورية الآتية عبر حروب تحرير شعبية كالجزائر، واليمن الديمقراطية الشعبية، أو الآتية عبر انقلابات عسكرية، وما أكثرها.!، استعصت كلها على التغيير، ورفضت التحول الديمقراطي، كما عجزت عن تحقيق التنمية والبناء والتحديث وبناء دولة العصر الحديث – دولة المواطنة والنظام والقانون.

الثورة كانت موجهة – بالأساس – ضد الفساد والاستبداد.. إن مفردتي الفساد والاستبداد تختزن كل المعاني الكريهة التي جسّدها الحكم العربي طوال القرن الماضي والنصف الأخير منه؛ فالأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية مسخت الإرادة الشعبية، وانتزعت لقمة الخبز الكفاف من أفواه الجياع، فمحمد البوعزيزي، الشاب الخريج الذي لم يجد وظيفة، فتحول إلى بائع متجول، يتعرض لصفعة من مسؤول أمني؛ فتثور الكرامة في نفسه، ويشتعل الغضب المتراكم بسبب القمع والحرمان من الوظيفة، والمضايقة في كسب الرزق، وانسداد سبل الحياة؛ فيُقدِم على إحراق نفسه كأقوى احتجاج على القمع، ومصادرة الحق في التعيّش، وكسب الرزق في المجال الأكثر تعبًا ومشقة.

البوعزيزي كان الرمز العام والشامل للمواطن العربي، إنْ صحّت تسمية “مواطن” له حقوق وواجبات في الوطن العربي كله.

 سجّل ميدان التحرير في مصر الـ 25 من يناير 2011 الملحمة الكبرى في المشرق العربي.. لقد سقط نظام حسني، ولكن قوى الثورة المضادة لم تكن بعيدة عن المشهد؛ فقد تحالف الإسلام السياسي والعسكر لإقصاء شباب ثورة يناير.

في سوريا ظل المحتجون يطوفون في أرياف المدن الكبرى، لتلحق المدن  بالربيع، ولأكثر من ستة أشهر.. أطلق النظام الجيش والأمن والشبيحة، وتحالفت تركيا وأميركا وإسرائيل والسعودية والأردن وبعض دول الخليج، بحسب شهادة رئيس وزراء ووزير خارجية قطر، وتقاطرت مليشيات الإرهاب من العديد من دول وبلدان العالم، بما في ذلك بعض الدول الأوروبية، وصُرفت المليارات؛ فكانت مذابح سوريا التي هجّرت أكثر من ثلثي السوريين، ولا تزال سوريا تعاني من ويلات الحرب الهادفة إلى ابتلاع الجولان، وتمزيق سوريا، وفرض صفقة القرن.. وما يجري في ليبيا ليس مختلفًا عمّا يجري في سوريا؛ فقد تكالبت دول عديدة لجرّ الثورة الشعبية السلمية للاحتراب، وتقاطر المرتزقة والإرهابيون؛ لإغراق ليبيا في الدم.

في العقد الأول من هذا القرن بدأت موجة ثانية من الحراك الشعبي في الجزائر والسودان ولبنان والعراق.. الطابع السلمي كان أبرز وأقوى في الجزائر والسودان، وقد انتصرت الثورة بمستوى معيّن في السودان، وحققت الجزائر إنجازات معيّنة، ولا تزال الاحتجاجات في استمرار. تواجه الاحتجاجات في لبنان تحديات خطيرة؛ فالأطراف الحاكمة تحرص على استمرار النظام الطائفي، وعدم الاستجابة للمطالب الشعبية العامة، وهناك مخاطر انهيار لبنان في ظلّ استعصاء القبول بالحلّ، أما العراق – وما أدراك ما العراق.! – فإن السلطة الطائفية الفاسدة والمستبدة موزعة الولاء بين النفوذ الأميركي والوجود والامتداد الإيراني، وهي في مواجهة مع الإرادة العامة للعراق.

 يلاحَظ في كلّ ذلك أنّ الأنظمة الأكثر فسادًا واستبدادًا هي الأكثر إيغالاً في القمع والاحتكام إلى الحرب: (سوريا، ليبيا، اليمن، والسودان).

السلطات الحاكمة في الوطن العربي والعديد من بلدان العالم الثالث تقوم شرعيتها على القوة، ولا تستطيع الاستنقاع في الحكم إلا بالعنف والإرهاب حمايةً للفساد والاستبداد.. ولا ننسى التنويه بأنّ السودان كان في طليعة اجتراح الانتفاضات في (58، و64)، وكانت انتفاضة الحجارة في فلسطين (الانتفاضة الأولى) هي أساس ما أنجزه الفلسطينيون، وقد حقق احتجاج الطفل الفلسطيني والحجارة ما عجزت عن تحقيقه ثلاث حروب، وأعمال عسكرية لعدة عقود، إلا أنّ الانتفاضة الثانية عام 2000 كانت أكثر ميلاً للعسكرة، وعدم تحقيق الوحدة الوطنية – الأرضية الأساس لمقاومة الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي.

اليمن التي دمّرت (حرب 94) وحدتها السلمية والديمقراطية، وخلخلت كيانها الوطني ونسيجها المجتمعي انتفضت في 11 من فبراير 2011، وكانت الانتفاضة الوسيلة المُثلى للتطويح بسلطة الجنرالات: علي عبدالله صالح، وفريقه العسكري – القِبلي.

سبقت احتجاجات شباب الربيع هبّة حضرموت 2005، وتظاهرات الانتقالي السلمي المطالِبة بالمرتبات والحقوق المدنية.. اجتاحت ثورة الشباب المدن اليمنية كلها، والتحق الريف والقبائل بالثورة السلمية؛ فتصدع النظام، وانقسم على نفسه.

انضمام الجدار الساقط من النظام للثورة الشعبية مثّل بداية الانحراف، وقولبة الثورة، وإعادة إنتاج النظام بدعم سعودي وخليجي عبر مبادرة التعاون الخليجي التي وحدت رموز الحكم ومنحتهم الحصانة، وأعفتهم من المساءلة في ظل تواطؤ أحزاب المشترك، ومشاركتها في إقصاء الشباب.

بعد مضي تسعة أعوام على انبجاس تيار ثورة الربيع العربي في غير بلد عربي، وحالات المدّ والجزر فيها، وانكسارها في مناطق، واشتعالها في مواطن أخرى – يمكن القول: إن هناك سمات عامة وخاصة بكل قُطر، فالعفوية والتلقائية والسلمية والاستقلالية عن الأحزاب في الغالب، وتحدّي الطغيان والفساد سمة عامة ومشتركة، ويظلّ لكلّ قُطر سماته الخاصة في المواجهة السلمية، وطبيعة المواجهات قوة وضعفًا، والأسئلة الحارقة التي تواجهنا: ما أسباب انحسار الثورة الربيعية؟، هل يعود إلى غياب التنظيم والقيادة؟، أو هل يعود إلى القمع السافر والدامي؟، أو يعود لالتحاق اتجاهات وقوى ليست مخلصة للثورة السلمية، ولا تزال مصالحها وتوجهاتها ضد الثورة؟، أو هذه الأسباب المجتمِعة إلى جانب عوامل أخرى ترتبط بتخلّف هذه البيئات العربية، والطبيعة الفاشية للجيش والأمن، وهيمنة القوى المعادية للحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، والدعم الاستعماري لهذه القوى؟


*نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق
  • 18
    Shares
Advertisements

تعليقات