وجدي الأهدل*
ثار الكثير من الجدل حول فيلم “السِّت” الذي يتمحور حول حياة أسطورة الغناء العربي السيدة أم كلثوم، وبدا أن الهجوم السلبي قد رَجُحَتْ كفته. ورغم أن هذا النقد الانطباعي قد طبع في ذهني تصورًا مسبقًا، فقد رأيت أن أشاهد الفيلم في السينما وأتحقق بنفسي مما يُقال.
نزل الفيلم في صالات السينما في 6 ديسمبر 2025، ولاحظت أن العروض المسائية مزدحمة، فقررت أن أشاهد الفيلم في الفترة الصباحية.
وصلتُ متأخرًا دقيقة أو دقيقتين، دلني المرشد على مقعدي، قعدتُ وفي رأسي تدوي كلمات الآخرين عن الفيلم، لكن في بضع ثوانٍ نسيت كل شيء، واستسلمت لسحر السينما.
أول ملاحظة توصلتُ إليها منذ الدقيقة الأولى هو أن الفيلم نجح في خلق الحالة الشعورية الصحيحة: تملكني شعور بالهيبة إزاء الشخصية التي يتحدث عنها الفيلم، وكأنكَ قد طويت الزمن ولمست عن كثب عظمتها.
أدت الممثلة منى زكي دور السيدة أم كلثوم، وهي التي تلقَّت الوجبة الأثقل من الهجوم السلبي، إلا أن أداءها كان مُبهرًا، وجسدتْ الشخصية بإتقان، لقد اختفت منى زكي ولم نشعر أننا نراها بل نرى كوكب الشرق.
إن جلال الشخصية قد ترك أثره على أداء منى زكي.. التوتر تخوفًا من الفشل في تقمص شخصية بهذه العظمة الاستثنائية، ذبذبة تردد لا تكاد تلحظها العين، وهذا أمر طبيعي خشية أن لا يكون الأداء عند مستوى التوقعات.
ربما أفضل مشهد تألقت فيه منى زكي وتخلصت فيه تمامًا من هاجس أفق التوقعات هو المشهد الذي يجري في قسم الشرطة، الذي يستعيد حادثة قيام محمد القصبجي بإطلاق النار على خطيب السيدة أم كلثوم، ولعل حضور زوجها الفنان أحمد حلمي في المشهد قد أعطاها الثقة الكاملة في قدراتها، أو إذا أخذنا الأمر على نحو سيكولوجي، فإنها في هذا المشهد قد امتلكت الشجاعة التامة لتكون أم كلثوم فعلًا.
اختار السيناريست أحمد مراد محطة فارقة في حياة السيدة أم كلثوم ليبني منها المشاهد الافتتاحية للفيلم، وكذلك ليختم بها، إذ بينهما تأتي معظم المشاهد كفلاش باك فيه ومضات من السيرة الذاتية لسيدة الغناء العربي منذ طفولتها المبكرة وحتى بلوغها عامها السبعين. وهذه البؤرة المركزية في الفيلم هي حفلة الغناء التي أحيتها السيدة أم كلثوم في باريس عام 1967 في مسرح الأولمبيا، وتبرعت بأجورها لدعم المجهود الحربي.
وقعت حادثة شهيرة في تلك الحفلة: حينما كانت أم كلثوم تغني صعد أحد المعجبين وأراد تقبيل حذائها فأوقعها على الأرض وتسبب في إغمائها.. ويستغل السيناريست أحمد مراد هذه الدقائق القليلة التي غابت فيها أم كلثوم عن الوعي ليخلق فيلمه، فهي في هذه الفترة الزمنية القصيرة تسترجع ذكرياتها على مساحة تغطي عمرها كله حتى تلك اللحظة، وفي مشاهد مكثفة منتقاة بعناية لتعطينا صورة واضحة عن حياتها في حوالي مئة وخمسين دقيقة تقريبًا من زمن الفيلم (طول الفيلم 161 دقيقة).
هذه التقنية ساهمت في كسر الزمن الخطي، وتجاوزت المسار الدرامي النمطي في تناول السيرة الذاتية للمشاهير، فسهم الزمن يروح ويغدو ما بين أم كلثوم السبعينية التي تقف على خشبة مسرح الأولمبيا في باريس، وأم كلثوم في مختلف مراحلها العمرية ونجاحاتها المهنية.
من يريد استخراج أخطاء في السيناريو ولديه تحامل مسبق لن يقف عند حدّ، لأن فن السيناريو لا حدود له، ودرجات الكمال لا نهائية، لكن المنصف الذي يرى الأمور من منظور نسبي يحكم بأن السيناريو مُحكم، وأن السيناريست أحمد مراد قد أحكم قبضته على المفاصل الرئيسية في حياة بطلة الفيلم، مناوبًا ما بين النور والظل، الإشعاع الخارجي المبهر للشخصية، والخواء الداخلي الذي تتسبب به الشهرة الطاغية، الوثبات العالية في ذرى المجد، والعثرات التي يمكن أن نعزوها للنقص الطبيعي في الشخصية الإنسانية.
أيّ سيناريست لو أراد استيعاب السيرة الذاتية كاملة لأم كلثوم فلن يكفيه فيلم واحد، ولذا عمد أحمد مراد إلى التركيز على عدد محدود من الشخصيات القريبة من أم كلثوم، وأن يلزم مسار درامي وحيد لكيلا يحيد عن هدفه، فأمكنه تقديم لوحة سينمائية وافية عن كوكب الشرق في حدود ساعتين ونصف.. وهذا إنجاز يُحسب له.
الفيلم من إخراج مروان حامد، خريج المعهد العالي للسينما، ونجل السيناريست الشهير وحيد حامد، وقد سبق له إخراج أفلام كبيرة ناجحة، لكن هذا الفيلم في تقديري هو النقلة الحقيقية في مساره المهني، وربما هو فيلمه الذي سيصمد في اختبار الزمن لعقود قادمة.
هل يتحمل المخرج وجهة النظر التي قدمت من خلالها شخصية السيدة أم كلثوم؟ ثمة ملاحظات لا أول لها ولا آخِر بشأن الأطروحة التي يتبناها الفيلم حول شخصية أم كلثوم. ولعلنا تابعنا جانبًا من تلك الاعتراضات والحملة الإعلامية القاسية التي واجهها صُناع الفيلم، بسبب إظهار بعض الجوانب السلبية في شخصية كوكب الشرق.. لست بصدد سردها، لأنني من حيث المبدأ اتفق مع وجهة النظر القائلة بأن الشخصية الإنسانية لا تخلو من العيوب، ومن باب الصدق الفني يجب أن تظهر، علمًا أن صُناع الفيلم ألمحوا إليها تلميحًا عابرًا، لا بهدف التعزير ولكن بهدف تعزيز (بشرية) الشخصية.
هناك محب مبالغ في عشقه، فلا يقبل أن تُخدش الصورة الناصعة، فهو يرى من وجهة نظره أن يتم إبراز كل ما هو جميل وجليل في شخصية أم كلثوم، وما عدا ذلك ينبغي عدم الالتفات إليه.
إن ردود الفعل هذه متوقعة، ولعل صناع الفيلم توقعوا شيئًا منها، لن يخطر ببالهم أبدًا تلك الاتهامات الخطيرة التي كالها لهم أشد مبغضيهم، ومع ذلك أقدموا بشجاعة على تقديم فيلم سينمائي يعيد الاعتبار لصناعة السينما في مصر.
شارك في التمثيل سيد رجب (والد أم كلثوم)، أحمد خالد صالح (شقيق أم كلثوم)، عمرو سعد (الرئيس جمال عبدالناصر)، تامر نبيل (محمد القصبجي)، نيللي كريم (الملكة نازلي)، محمد فراج (الشاعر أحمد رامي) وآخرين.
وخلف الكاميرا فريق من أفضل الحرفيين في التصوير والإضاءة والجرافيكس والملابس والديكور والمونتاج والصوت والموسيقى التصويرية والإنتاج.
فيلم “الست” الذي شارك فيه نخبة من خيرة مبدعي مصر في الإخراج والتمثيل والسيناريو يُبرهن أن السينما المصرية تُضاهي مثيلاتها في هوليوود أو أيّ مكان آخر في العالم.
* روائي وكاتب يمني.


تعليقات